جائزة المفكر الراحل الدكتور عادل أبو زهرة.. زهرة أمل للإنسانية وللمجتمع

  البوم الصور       

 فقدت مصر والإنسانية منذ عدة سنوات مفكر وعالم من رواد التنوير فى المنطقة العربية إثر مرض عاصف ومعاناة مع الأحوال السائدة فى مجال الطب لعالمنا العربى والمصرى بصفة خاصة، معظمه ولعله من واقع ذلك الألم الشخصى الكبير انتبه إلى القصور الفادح فى مفهوم "الأمن" الذى يختزله البعض فى حدود سياسية ضيقة بينما هو ألصق بإنسانية الإنسان الذى ينشد التحرر من الخوف ومن الحاجة فى حياته وفى مستقبل أبناءه ومجتمعه والآتين من بعده وكما ذكرت إحدى الصحفيات من بريطانيا فى ذكراه الأولى أن هناك نوعا من البشر قدر لهم أن يدخلوا الحياة ويخرجوا منها سريعا يعبروا كضيف خفيف حلو المعشر والمسلك والخلق وما إن تبدأ فى الاستمتاع بصحبته حتى تجده قد تركك ورحل ولكنهم لا يفارقوا العالم إلا بعد أن يضيفوا إليه ويتركونه أفضل حالا مما كان يلقوا ببذرة مباركة تنتظر أن تتلقاها أرضا جيدة لتنبت وتثمر وكان د. عادل أبو زهرة واحدا مهما من هؤلاء انسحب من حياتنا بكبرياء وشموخ تماما كما عاش خلال حياته كان المرض خلال العامين الأخيرين من حياته يفترسه لكنه رفض أن يستجدى العون ولم يسمح لأحد من أصدقائه أو تلاميذه أو محبيه أن يتلمسه نيابة عنه وبالطبع لم يلتفت من بيدهم الحل والربط إلى معاناته ولم يتطوع أحد بإرساله إلى حيث يجد العلاج لمرضه العضال مع كل نفقاته مع رفضه التام للمبدأ حتى فى المؤسسات العلمية التى أفنى فيها عمره.
وقد قامت مكتبة الاسكندرية مشكورة ممثلة فى قائد هذا الصرح العظيم د. اسماعيل سراج الدين ومستشاريه بالمبادرة فى تخصيص جائزة سنوية مستدامة باسم الراحل العظيم عادل أبو زهرة وقدرها خمسة آلاف جنيه مصرى ودرع برونزى به صورة الدكتور عادل وذلك للمؤسسات والمنظمات الأهلية المصرية التى تعمل فى جمهورية مصر العربية فى المجالات الآتية: الحفاظ على البيئة وتمكين المرأة والدفاع عن حريتها وحرية التعبير والحوار والفن الإبداعى، كما قامت أيضاً محافظة الاسكندرية بتسمية شارع باسمه تكريما وتخليداً لاسمه.
ويقول عبد المنعم أبو زهرة شقيق الدكتور عادل أبو زهرة أن العالم كله قد فتح ذراعيه لاستقبال د. عادل أبو زهرة أستاذ العلوم السلوكية والإنسانية والرائد فى مجالات حماية البيئة وحقوق الإنسان وحرية الحوار والدفاع عن المرأة والبحث العلمى ولكنه رفض أن ينعم وحده بالعيش الكريم وأصر على أن يشارك الإنسان المصرى المسحوق معاناته ويعمل من أجل رفعها عنه ناضل بكل قوته من أجل أن يتمتع كل مصرى بالحرية الفكرية والعقائدية بنقاء الجو وخضرة الشجر بجمال الأبنية ونظافة الشواطئ أراد الكرامة للمرأة والحماية للطفل ومن خلال ترأسه لجمعية الموسيقى الراقية وبرنامجه بالتلفزيون السكندرى حاول إشراك المصرى والعربى البسيط فى متعة تذوق الفن الرفيع ومع حبه، وكان يكن تقدير خاص للدكتور سراج الدين كان يمثل الجوهر الحقيقى والضمير الحى لمكتبة الأسكندرية ومستشارها الأول، كما أسس وترأس أكبر جمعية أهلية بمصر لأصدقاء المكتبة الهادفة أساسا للحفاظ على الاستقلالية الفكرية للمكتبة كما ترأس منتدى الحوار لترسيخ مفهوم النقاش الحضارى وحرية الرأى والمشاركة فى لإسهام فى حل مشاكل الأمة المصرية والعربية، كان يملك حفنة غير قليلة من البذور المباركة لم يبخل بها بل ألقاها على أرض الاسكندرية ومصر وكان أول من شجع الأصوات التى تحدت الخوف والترهيب ودقت ناقوس الخطر محذرة من تنامى تيار التعصب الدينى فى المجتمع المصرى فتحدث بإسهاب عن مظاهره وأعطى أمثلة خطيرة عن غرس أفكار الكراهية فى نفوس الأطفال وأكد على ضرورة وضع ميثاق اجتماعى لتجنب التعصب تتضمن بنوده:
(1) ضرورة الاعتراف بحق كل إنسان فى اعتناق الأفكار التى يعتقد بصحتها
(2) التأكيد على أنه ليس من حق أحد التشكيك فى عقيدة أو وطنية أى إنسان أو ازدراء عقائد اللآخرين
(3) الوطن للجميع وللجميع نفس الحقوق وعليهم نفس الواجبات مهما اختلفت عقائدهم وأفكارهم
(4) استنكار اللجوء إلى العنف للتعبير عن الاختلاف فى الرأى
(5) الاعتراف بأن أى تفسيرات لنا أو للآخرين لست لها صفة القداسة بل هى مجرد تأويلات بشرية قابلة للصواب والخطأ كما يجب الاعتراف بحق الآخرين فى الاجتهاد حتى فى النواحى الدينية
(6) للإنسان الحق فى أن يفكر ويعمل ويحب ويرفه عن نفسه ويعبر عنها من خلال الفنون لأن الحضارات نشأت وازدهرت على هذه الأرض من خلال العمل والعبادة والفكر والفن وأن الدين أحد الأنشطة الأساسية والهامة ولكن ليس نشاطه الوحيد
ومن أدواته المهمة داخل المكتبة "الحوار كأداة للتفاهم" وملخصه يختلف البشر فى مداركهم وقدراتهم وإمكانياتهم واهتماماتهم إلى جانب اختلافهم فى اللغات والألوان والتصورات والأفكار وكل تلك الأمور تقضى إلى تعدد الآراء والأحكام والمذاهب والمصالح فتختلف باختلاف قائليها والمؤمنين بها
ويمثل الحوار قدرة عظيمة لدى الإنسان كما يتميز به عن الحيوان فهو كائن محاور فالإنسان الواعى يتسم بأنه فى حالة حوار دائم على كل المستويات مع النفس ومع الآخرين والحوار عنى إخضاع كل ما يفكر فيه وكل ما يمارسه من أفعال تتصل بذواتنا أو بالآخرين إلى نقاش يهدف إلى تصويب وتطوير هذه الأفكار لذلك كان لمنبر الحوار بمكتبة الاسكندرية الذى ترأسه فى آخر أيامه مجموعة من الحوارات الثرية فى مجالات شتى كانت تجنذب جمهور ضخم من المثقفين والمهتمين على كل المستويات
ثالثا.. أرقته مظاهر العنف ضد المرأة فكتب كثيرا فى هذا الشأن بل جعله ينتقل إلى كل وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة كما شارك فى وضع بنود ميثاق ورقة الصين الخاصة بالمرأة
رابعا.. أحزنته مظاهر الفوضى المعمارية فى مدننا وخاض حربا شرسة ضد المسئولين والدولة ورجال الأعمال وقام برفع قضايا كانت مسار الإعجاب والقو وكسب معظمها لصالح المواطن والبيئة وصاحب فلسفة استخدام القوانين التى تصدرها الدولة ولا تنفذها احترمه فيه الأعداء قبل الأصدقاء
خامسا..سعى إلى تحسين نوعية الحياة فى مصر وتوفير الحاجات الأساسية من الطعام والشراب والملبس والمأوى والعلاج كى يرتفع الإنسان فى سلم الإنسانية ولابد أن يتحرر من العوز ومن الجهل ومن الخرافة ومن القبح وتكون لدية القدرة على التمتع بفعل الخير وقول الحق وتذوق الجمال وقدرته على التفكير المستقبلى
سادسا.. شرح أصول الكتابة العلمية وهنا نتساءل عن دافع العدد الكبير الذى يتقدم كل عام لنيل درجات الماجستير والدكتوراه فى دول نامية مثل مصر هل كان دافع هؤلاء إلى البحث هو محاولة الوصول إلى إجابات عن أسئلة تؤرقهم ستسد ثغرة فى بناء المعرفة أو تسهم فى حل مشكلات يواجهها الوطن؟
وكان لهذا الباحث العظيم أن جعل من العمل الأهلى والذى اصطلح على تسميته المجتمع المدنى رغم وجوده منذ زمن بمصر وتقلص هذا الدور لفترة زمنية حتى انتشر أخيرا وجعل فكرة البادرة وعلاقتها بما يحسه الإنسان من أن له حق فى وطنه وفى حياة نظيفة وحق الاعتراض ورائد فى تكوين مجموعات الضغط والفعل ومن أجل هذا الحق يبادر ويعمل ويساعد بالفكرة والمجهود والمال أحيانا وباستخدام الثقافة السائدة والتى يمكن من خلالها إيجاد الفعل والمبادرة وتكوين رأى عام للدفاع عن الفكرة والحق ومن عظمته ربط كل ذلك بفلسفة الجمال والتذوق الفنى وأهمية العاطفة والحس والشعور والوجدان وأنها لا تقل أهمية عن تربية التفكير وتنمية الشعور الجمالى مثلما تشتمل على تنمية الشعور الخلقى وعدم الفصل بين العاطفة والتفكير لأن الكائن البشرى وحدة لا تقبل التجزئة. وأن الجمال ليس تصورا خالصا لأن الئئ الجميل شيئا مجردا وليس تصورا عقليا وإدراك الجمال ليس متوقفا على دقة الحواس وإنما على إدراك الجمال هو مزيج من التصور العقى وإدراك الحسى وهو نقطة تلاقى فى العقل والإحساس ودرس علم الجمال فهل هناك من مهنة أنبل من هذه فالذى يدرك الجمال هو وحده القادر على التعرف على الله نور السموات والأرض هو الجمال.
ويقول الدكتور إسماعيل سراج الدين مدير مكتبة الإسكندرية عن الدكتور أبو زهرة: "هو زميل حلَق فى سماء الفكر والعمل بمصر وخارج مصر وكرمته أعلى هيئة واعتبرته من أبرز عشر قيادات فى العمل الأهلى والمدنى فى مجالات شتى على مستوى العالم أجمع وكان العربى الوحيد كما عرفته مصر أستاذا ومربيا ومفكرا وكاتبا ومتذوقا للموسيقى والفن ومحبا للعلم والمعرفة وهو الدينامو المحرك للعمل الأهلى فى معظم الجمعيات الأهلية وأصدقاء مكتبة الاسكندرية والمجلس القومى للمرأة والمجلس الأعلى للثقافة ومن هنا كان اختيارى له المستشار الأول لى وللمكتبة ويضيف أن عادل أبو زهرة رجل تلتمس فيه التكامل الخلقى يظهر مل يبطن ويفعل ما يقول يعبر عن آرائه بشجاعة ولا يخاف لومة لائم فيما يراه من صواب وكان فارسا نبيلا فى معركة العدل والحرية وحقوق المرأة والمنهج العلمى والثقافة العلمية وخصوصا ثقافة الحوار والتعددية والسماحة يلتزم بالقانون ويستند إليه مناديا أن تكون لدنا بلد سيادة القانون والاحتكام إليه"
كما قال عنه اللواء محمد عبد السلام المحجوب محافظ الاسكندرية السابق: "كان أقرب الناس إلى قلبى وعقلى وكنت أستشيره فى كثير من الأمور وكنت فى الحقيقة آخذ برأيه وكان يعيش فى خدمة الناس كأفراد فكان زوجا دون أن يتزوج وأب دون أن يكون له أولاد كما ذكر أخيه لى فى يوم وفاته وكان كل شئ حلو فى الحياة مليئا بالنشاط يملأ الدنيا حوله بالعمل والأمل وأحاديثة وكتاباته ومناقشاته وحواراته وطموحاته هادفة وبناءه كان هادا فى السطح ثائرا فى الداخل شجاعا فى الدفاع عن الحق مؤمنا بالحرية محترما لآراء الغير"
أما المستشار محمد عبد العزيز الجندى فيقول عنه: "عادل أبو زهرة ظاهرة متفردة غير متكررة لا يمكن لإنسان أن يملك هذه الطاقات الخلاقة والمهارات المتعددة والثقافة بلا حدود والجهد الذى لا يعرف حدودا للوقت أو للكلمة وكان مناضلا قويا فى كل قضي آمن بها محبا للحوار وتوافق الأديان والسياسات والحضارات وكان أحد الرموز القوية الذين أداوا الحوار ببراعة يندر أن يتمتع بها إنسان حلو الكلمة عذب الحديث رقيق المشاعر لقد فقدنا قوة ضاربة عظمى فى العمل الأهلى قوة لا تعوض ولا تستطيع أن تعوض غياب د. عادل أبو زهرة".
وللدكتور يسرى الجمل وزير التعليم العالى كلمة عنه فيقول: "حينما أبدينا الرغبة فى أن يتيح لشبابنا الدارسين –وكان وقتها نائب رئيس الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا- بالأكاديمية الفرصة للاستفادة من نبع ثقافته الرقيقة لم يتردد وقام بإعداد منهج متميز فى فنون الموسيقى والسينما والمسرح والفنون التشكيلية لما أدخل أدخل الدراسات الإنسانية والعلوم السلوكية كمقررات أساسية فى كافة البرامج الدراسية ثم تبع ذلك بمقرر آخر عن علوم البيئة وأساليب حمايتها ومقرر ثالث عن التفكير العلمى كمنهج وأسلوب للحياة وبأساليب غير تقليدية وغير معروفة وعلى مدى مايزيد عن خمسة عشرة عاما تخرجت أجيال من الشباب وهى متأثرة بخصة وعارفة بفضلة وكان مكتبه بالأكاديمية بمثابة الملاذ الآمن لكل طالب وطالبة"
ثم الأستاذ الدكتور جابر عصفور الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة والذى قال عنه "كنت أخاطب عادل وأقول أننا حن ندرس لطلابنا فى النقد الأدبى معنى الشخصية المتكاملة النامية فى الرواية والناجحة هى الشخصية القادرة على الإدهاش دائما وأنت لا تكف عن إدهاشى ولا عن إدهاش الآخرين وفى الحقيقة كان ذلك يرجع إلى مجموعة من الصفات ندرت أن تتوافر فى شخص واحد الأولى هى الإيثار ما رأيت واحدا يبذل كل هذا الجهد لخدمة الآخرين ولخدمة المجتمع هذا الرجل لم يفكر فى نفسه قط ولم يشغل نفسه بالمال ولا بالوجاهة الاجتماعية ولا بالبحث عن المناصب أولا حتى بتكوين أسرة وإنما شغل نفسه بقضايا المجتمع المدنى والمجتمع أما ثانى صفة وهى قدرته الهائلة على التنظيم وكانت هذه القدرة الهائلة هى الوجه الآخر من قدرته المذهلة على خدمة الآخرين وتلك الصفة مرتبطة بصفة ثالثة وهى قدرته على الإقناع من كبار المثقفين إلى غير المتعلمين ويصل إلى عقول المستمعين من أبسط وأقصر طريق حتى وهو يحادث فلاحات صعيديات عن أشكال التمييز ضد المرأة بأمثلة وأشياء يعشنها ويعرفنها"
لقد كان الراحل لديه من الإصرار والتحدى ما لا مثيل لهما فى كل المشروعات التى اقتحمها أو الأحداث التى اشترك فيها أو اللقاءات التى نظمها أو القضايا التى تبناها ومن هنا حقق للجمعيات الأهلية فى الاسكندرية وفى غير الاسكندرية مكاسب كثيرة سوف تظل تذكره بها كما ستظل تذكر أقواله وأفعاله وما كانت هذه الصفات تميز عادل إلا أنه كان يحكم دائما بالمستقبل كان نظره دائما إلى الأبعد وإلى الأجمل ويرى فيما هو حادث الآن وفى اللحظة التى يعيسها إن كان لبذرة تورق ثمرا وزهرا أفضل للمستقبل.
هذا علاوة على ما كتب من مفكرين ومثقفين وكتاب وصحفيون من مصر وخارج مصر عن هذا العالم والمفكر المصرى العظيم لا يسع تلك لكلمة لسردها

   
نرحب بك صديقاً دائماً لأمواج ونسعد بإرسال كل جديد إليك
ارسل بريدك الالكترونى
 
للحصول على الإصدرات السابقة من المجلة
 
يمكنك ان تقوم بالبحث فى كل اعداد المجلة
بـحــث مــتـقـدم
 

حقوق النشر محفوظة ( 1998-2006 ميلادية) مجلة أمواج سكندرية
التطوير و التنفيذ System Online & دار الصديقان للنشر والاعلان