عصمت محسن
أم البحرية

 

 

وتقف المجاهدة الأديبة عصمت محسن الإسكندرانى الملقبة "أم البحرية"، والتى توقع مقالاتها ومؤلفاتها بكنية "بنت بطوطة" فى مقدمة صفوف السيدات السكندريات المعاصرات، والعاملات فى صمت فى الميادين الوطنية والاجتماعية والثقافية، وقد عرفت بمآثرها على البحرية المصرية ورجالها خاصة، وعلى مواطنيها والفلاحين منهم عامة.
ولدت عام 1897 بالإسكندرية، وبها نشأت بجوار بحرها وسفنها، وفى أسرة ذات صلات عريقة بالبحر والبحرية، فهى حفيدة أمير البحر حسن الإسكندرانى أحد قادة الأسطول المصرى فى القرن التاسع عشر، والذى أبلى فى موقعة "نفارين" عام 1827 واستشهد فى حرب القرم عام 1854، وكان والدها حسن محسن باشا من رجال الدولة، وأمها عزيزة حسن ابنة الأمير حسن إسماعيل، وشقيقة عزيز حسن من قواد الجيش المصرى الذين اشتركوا فى حرب البلقان عام 1912.
وتلقت عصمت محسن علومها بالإسكندرية فى البيت والمدرسة، وأجادت إلى جانب لغتها العربية بضع لغات أجنبية وبخاصة الفرنسية والإنجليزية، وتعلقت منذ صباها بالبحر والسفن والأسفار، وبتاريخ البحرية المصرية ومواقعها الحربية، وبأمجاد العرب فى البحار، وعطفت دائما على رجال البحر والملاحين حتى لقبت "أم البحرية".
وكان لاهتمامها بالتاريخ العربى والآثار العربية ما دعاها إلى ركوب البحار وزيارة الأقطار، فطافت بمعالم لبنان وسورية وتونس والجزائر ومراكش والأندلس بأسبانيا، حيث درست المساجد والقلاع والمزارات القديمة، كما ترددت على متاحف ومكتبات فرنسا وبلجيكا وسويسره وغيرها.. وكانت تجتاز البحار على المراكب الصغيرة متنقلة بين موانى البحر الأبيض والبحر الأسود، وقضت ثمانية عشر عاما فى رحلاتها الاستكشافية والدراسية حتى أطلق عليها "بنت بطوطة" تشبيها بالرحالة العربى القديم "ابن بطوطة". ولم تستهوها بواخر الترف ورحلات البذخ، بل كانت تشارك الملاحين حياتهم الخشنة فوق الأمواج، فإذا خرجت إلى البر عكفت على دراسة الآثار والأطلال والمتاحف وسائر المعالم التاريخية.
واستمرت فى باريس فترة من الزمن تبحث وتكتب فى التاريخ العربى، وتنشر بعض مقالاتها فى الصحف الفرنسية، وهناك عرفت المستشرق الفرنسى "كريستيان شيرفيس" الباحث فى المخطوطات العربية وفقه أبى حنيفة، ولاحظ الأستاذ شغف أديبتنا بالتاريخ والآثار والرحلات، فسمح لها بالبحث فى مكتبته، ورأى لها أن تكتب تاريخ بلادها، وأن تكنى "بنت بطوطة".. وفى تلك الفترة أعلنت جريدة "ماتان" الباريسية عن مسابقة بين الكتاب الفرنسيين فى موضوع عن أشهر المواقع الحربية التاريخية الفاصلة، وجائزتها خمسمائة فرنك، واشتركت "بنت بطوطة" فى هذه المسابقة، وكتبت عن وقعات: حطين، وعين جالوت، وشريش، من المواقع التى انتصرت فيها الجيوش العربية وكان لها أثر كبير، وفازت بالجائزة لدقة البحث وجمال الأسلوب.
وشجعها ذلك على المضى فى الكتابة بالصحف الفرنسية عن التاريخ العربى والشرقى وأمجاده، وفى تأليف الكتب بالفرنسية ليطلع عليها الغربيون، ولما عادت إلى بلادها تابعت الكتابة فى الصحف والمجلات العربية، ومن ذلك مقالاتها التاريخية بمجلة "الثقافة" بالقاهرة فيما بين 1946-1947.
ومن كتبها المنشورة فى اللغة العربية- وبعضها مترجم عن مؤلفاتها التى وضعتها بالفرنسية: "فينيقية" المطبوع عام 1945، وقالت فى مقدمته:"هذه رسالة متواضعة فى تاريخ الفنيقيين ومدنهم، أهديها إلى مواطنى المثقفين فى مصر، وإلى أصدقائى المثقفين فى سوريه ولبنان، أهديها إلى الذين يحبون الإلمام بتاريخ الآثار والأحجار البالية القديمة، تلك الآثار والأحجار التى كانت فى غابر الزمان مدنا عامرة زاهرة، فذهبت ولم يبق إلا أثرها، وما أثرها إلا تلك الآثار المهشمة والخرائب المندرسة التى شهدت عظمة أمم الشرق بعد أن عمرت حضارتها آلاف السنين، فى خلالها مدّنت العالم ونشرت فى أرجائه الواسعة العلم والعرفان، ومحت ما كان فيه من همجية وجهل، وهذّبت عقول الناس ونفوسهم، ومدّت آفاق علومهم وفنونهم" وبحثت المؤلفة فى هذا الكتاب التاريخى الذى رجعت فيه إلى الكثير من أقدم المصادر فى أصل الفينيقيين وصلاتهم بمصر وأفريقية وعن أمجادهم البحرية وعن مدينتى صور وصيدا وحضارتهما العريقة.
وكانت قد نشرت قبل هذا الكتاب مؤلفين:"أحاديث تاريخية"و"من تاريخ هارون الرشيد والبرامكة" 1943. ووضعت كتابا عن "سيف الدولة" لم ينشر بعد، وهدفت بذلك إلى تصوير الحضارة العربية، كما رمت إلى الإشادة بأمجاد بلادها البحرية فى كتابها "صفحات من تاريخ البحرية المصرية" 1947، و "موقعة نفارين" 1960، وإلى تصوير حياة البحار فى "المغامرات البحرية" 1951.
ولم يزل الكثير مما كتبته عصمت محسن سواء بالعربية أم بالفرنسية مطويا فى الصحف والمجلات، لم يجمع أو يترجم، ولم تعن بتدوين ذكرياتها ورحلاتها أو بنشر سيرتها.
وأخيرا استقرت أم البحرية فى بيتها بحى رأس التين المطل على البحر الذى نشأت بجواره، وعلى مراكب الصيادين والكلية البحرية.. وفى هذا البيت تعيش بين مكتبتها العامرة بمجلدات التاريخ والآثار ولوحات المواقع البحرية وأبطالها وذكريات رحلاتها وأعمالها، وبين أبنائها ضباط البحرية الذين ترحب بترددهم على بيتها فى كل وقت، وهم ينادونها "أمنا" فتسدى إليهم النصح وتقص عليهم مغامرات البحر، وتبدى لهم كل معاونة وتشجيع، وعلى مقربة شيدت مسجدا أهدته إلى مدينتها، وتقضى أم البحرية بعض أيامها فى عزبتها بشبراخيت حيث تقدم للفلاحين والفلاحات العون والمساعدة.
وقد أهدى الرئيس جمال عبد الناصر إلى أم البحرية عام 1955 "وسام الكمال" الذهبى، ولما سرق هذا الوسام من بيتها أهدى إليها الرئيس وساما آخر، وجاءتها رسالة من رئاسة الجمهورية ورد بها:"… لما عرف عنك من حب الخير واهتمام بشئون البحرية، فرياسة الجمهورية تهدى إليك هذا الوسام بدلا من الذى فقد منك…" وكان ذلك فى مناسبة الاحتفال بيوم البحرية وبإنشاء المتحف البحرى بالإسكندرية فى 29 أغسطس 1960، وكانت أم البحرية فى مقدمة المدعوين إلى ذلك الحفل، وقد أصبح هذا اليوم عيدا من أعياد القوات المسلحة تتذكر فيه أمجادها البحرية، وتبث فى نفوس الشعب العزة والفخار..
واعتادت الصحف العربية التحدث عن أم البحرية فى أيام الاحتفال بيوم البحرية بخاصة، وكان مما نشرته جريدة الجمهورية (يوم 27/8/1960):"هذه السيدة تستطيع أن تدخل مقر القوات البحرية فى أى وقت، تستطيع أن تصعد إلى ظهر أية بارجة أو مدرعة عربية دون أن تعترضها العوائق. إنها سيدة تنبض كل نقطة من دمها بحب أرض النيل، وهى سيدة ثرية ومع ذلك فكل مليم تمتلكه قد وهبته –بعد عمر طويل- للقوات البحرية. إنها السيدة عصمت محسن الإسكندرانى، السيدة التى منحت الأسطول المصرى العربى سفينة حربية كاملة من جيبها الخاص فى حرب فلسطين، السيدة التى يعتبر منزلها الفخم الأنيق بشارع رأس التين ناديا بحريا. السيدة التى يعتبر جواز المرور إلى قلبها أن تقول لها: أنا بحرى. السيدة التى تغلق بابها فى وجوه الصحفيين وتفتحه على البحرى فى وجوه القوات البحرية..".
ونشرت عصمت محسن كتيبها عن "موقعة نفارين" فى عيد الثورة 23 يوليه 1960، وهى الموقعة التى أبلى فيها رجال الأسطول المصرى يوم 20 أكتوبر 1827، وكان جدها حسن الأسكندرانى قائدا للسفينة الحربية "إحسانية" فى تلك الموقعة، وراح عدد من ضباط البحرية وجنودها المصريين ضحية المكيدة الغادرة التى دبرها الأسطول الإنجليزى يومذاك للأسطول المصرى الراسى فى خليج نفارين وأخذه على غرة..
وكتبت عصمت محسن فى مقدمة كتيبها هذا "…تحتاج البلاد إلى جنود، وإلى جنود قبل كل شئ، جنود يطيعون ليستطيعوا أن يقودوا، ويقودون ليستطيعوا أن يخدموا، ويخدمون ليموتوا فى الخدمة التى يؤمرون بها، فيا شباب اليوم كيفما تكن مراكزكم، سواء أكنتم فلاحين فى الحقول، أم عمالا فى المدن، أم طلبة فى المدارس والجامعات، تعلموا أن تخدموا فى الجيش جنبا إلى جنب فى ظل المساواة، فخورين بأنكم جنود تتعلمون السلاح.. إن أجمل تراث لذريتكم هو أن تسقطوا كما سقط أسلافكم فى ميادين الشرف بالبر أو البحر، فى سبيل عظمة الوطن.. وإذا كان بينكم أنتم المغمورون فى الجماهير من لا يزال متعينا عليهم أن يدعوا إلى الخدمة فى البحار، ويشعرون بأن يد القدر تدفع بهم إلى المحيط حينما يخدمون البحرية العربية، بحريتنا، فليخرج هؤلاء من صفوفكم، وليأتوا إلىّ لكى أسمعهم قصة معركة نفارين..".
وفى عيد الأم فى شهر مارس من كل عام يزور دار أم البحرية ضباط السلاح البحرى وطلبة الكلية البحرية، ويقدمون إلى أمهم باقات الورود ويلتفون حولها وهى تعيد على مسامعهم الأمجاد العربية فى البحار، وكيف كان الأسطول المصرى عام 1840 ثالث أسطول فى العالم بفضل جنوده الشجعان.


ــــــــــــــــــ
المرجع: أعلام من الإسكندرية ج2، نقولا يوسف، الهيئة العامة لقصور الثقافة، ط2 نوفمبر 2001م

   
نرحب بك صديقاً دائماً لأمواج ونسعد بإرسال كل جديد إليك
ارسل بريدك الالكترونى
 
للحصول على الإصدرات السابقة من المجلة
 
يمكنك ان تقوم بالبحث فى كل اعداد المجلة
بـحــث مــتـقـدم
 

حقوق النشر محفوظة ( 1998-2006 ميلادية) مجلة أمواج سكندرية
التطوير و التنفيذ System Online & دار الصديقان للنشر والاعلان