تاريخ فن التذهيب

 

للتذهيب تاريخ طويل في الثقافة الفنية التركية، وقد حظي بالاهتمام والرعاية في العصرين السلجوقي (1070-1299م) والعثماني (1300-1923م)؛ فيقول الدكتور سهيل أونور -في دراسة قدمها لمؤتمر تاريخ الأتراك عام 1972 وحملت عنوان "عروش سلاطين سلاجقة الأناضول" بالتركية: إن عروش ومقامات السلاطين السلاجقة كانت مذهبة ومنقوشة بماء الذهب. 

ويذكر كتاب آخر بعنوان "دار النقوش في عصر السلطان الفاتح" -بالتركية- أن النقّاش "بابا" كان من مشاهير هذا العصر، وقام بعمل الكثير من لوحات وكتب التذهيب2. وقد شهد عصر السلطان بايزيد الثاني نشاطا بارزا في فن التذهيب عبر دار النقش التي أنشئت آنذاك وكان يطلق عليها تعبير "نقاش خانه".

وقام الرسام شاه قوللو -أحضره السلطان سليم ياووز من بغداد في حملته على الشرق- بأعمال تذهيب بارزة في قصر الحكم العثماني الشهير بتعبير "طوب قابي" (الباب العالي)، ومن بعده تلميذه وَلي جَان3. وكذا أعمال التذهيب بجوامع السلطان الفاتح والسليمانية بإستانبول وجامع سَليمية بإدرنة بشمال غرب تركيا.

وكذا النقاش ساعي الذي عاش في عصر السلطان سليمان القانوني وتظهر أعماله التذهيبية في كتابات الجوامع والتكايا والأسبلة والمقابر السلطانية التي أنشأها المعماري التركي الشهير سنان باشا. أما النقاش والمُذهب قرامَمِى فقد قام بتذهيب العديد من المصاحف القرآنية في القرن السادس عشر.

معنى التذهيب في اللغة والفن

كلمة تذهيب هي كلمة عربية أصيلة وتأتي من كلمة "ذهب"، وهو الاسم الذي أطلق على المعدن النفيس والثمين المعروف لدى البشرية منذ القدم. وفي لسان العرب يقال تذهيب للتدليل على معنى واسم الفن الذي يقوم بدهان وكساء الكتب أو قطع الأثاث المنزلي والمكتبي الخشبية أو إطارات الصور وعصي الزينة أو أواني الطعام والشراب بماء الذهب.

أما عند الأتراك فقد أوردها قاموس تركي لمؤلفه شمس الدين سامي بمعنى الدِهان بالورق المُذهب، ويضيف نفس القاموس العثماني شرحا للكلمة بالقول: إنها تعني نوعا من الفن القديم المستخدم في كتابة عناوين وأسماء وتلوين وتزيين مقدمات وأغلفة وحواشي كتب القرآن الكريم وكتب التراث والمخطوطات.

تذكر موسوعة بريتانيكا التركية Temel Britannica (ج 17، ص 170) أن التذهيب ليس هو الفن المستخدم فقط في التلوين بالذهب ولكن باستخدام البويات أيضا، وأنه صار منحصرا اليوم في كتابة عناوين الكتب بحروف كبيرة. 

وكلمة "تذهيبجي" أو "نقّاش" في التركية تعني الشخص المشتغل بمهنة التلوين والتزيين بالذهب. ولم يدخل الأتراك السلاجقة أو العثمانيون أو الأتراك المعاصرون أي تعديل على تلك الكلمة العربية، بل استخدموها نطقا ومعنى كما هي في أصلها العربي. ولم يحدث تغيير في المعنى حتى بعد بدء العصر الجمهوري 1923، وإن تم قلب حروف الكلمة فقط للحروف اللاتينية مثلما هو الحال مع مجمل مفردات التركية. واليوم تكتب كلمة تذهيب في التركية على شكل "TEZHİP".

ويتم الحصول على ورق الذهب عبر إذابة معدن الذهب وترقيقه إلى درجة يتشابه فيها مع الورق، ثم يقوم الفنان أو المُذهّب بإذابة ورقة الذهب في الماء مع إضافة مادة الجيلاتين. 

ولكي يتم تذهيب شيء ما بأشكال ورسوم محددة وجميلة يقوم المُذهب بداية برسم الشكل المطلوب على ورقة، ثم يضع الشكل فوق لوح من مادة الزنك، ويقوم بعمل ثقوب بالإبرة فوق مسار الشكل، ثم يأخذ الشكل المثقب ليوضع فوق الأرضية المراد تذهيبها، بعدها يتم ملء الثقوب بمادة صمغية ترابية، وبعد رفع الورقة المثقبة من فوق الأرضية (اللوح أو الورقة أو غيرهما) يظهر الشكل المطلوب واضحا فيتم ملء خطوط الشكل والنقط بماء الذهب أو بالبوية الذهبية اللون

على أن الصناعات المتقدمة والحديثة وما نتج منها من أدوات وماكينات قد أحدثت ثورة في تسهيل عمليات التذهيب، سواء أكان الأمر يتعلق بتذهيب الكتب أو القطع الخشبية أو غيرهما.

مشاهير المذهبين الأتراك

على مدار تاريخ الأتراك منذ أن وطئت أقدامهم هضبة الأناضول ظهر عندهم في فن التذهيب العديد من المذهبين والنقاشين. وإذا كانت أسماء مشاهير فن التذهيب في العصر السلجوقي غير واضحة بسبب ضعف التدوين، فإن العصر العثماني كان أكثر تنظيما وترتيبا وتسجيلاً للوقائع والأحداث ومجريات الحياة بوجه عام.

لكنه من الصعب بمكان أن نحصي أسماء مشاهير فن التذهيب بتركيا في موضوع محدود الصفحات مثل هذا، ولكن المتاح لنا هو أن نتعرض لذكر بعض أسماء المشاهير من المذهبين -جمعوا بين كتابة الخطوط وتذهيب الكتب واللوحات...الخ- والنقاشين في تاريخ الأتراك العثمانيين، مثل:

يحيى صوفي 1477م)، أسد الله قرماني (ت 1488م)، الشيخ الخطاط حمد الله أفندي (ت 1520م )، وشمس الدين أحمد الشهير بقراحصاري الذي عاش في عهد السلطان بايزيد الثاني (1482-1512م) ويعتقد بوفاته عام 1556م، وينسب إليه نسخة القرآن الكريم المذهبة مقاس 62X42 سم التي كتبها للسلطان بايزيد الثاني، وهى تأخذ مكانها اليوم في مكتبة متحف طوب قابى بإستانبول6، والنقاش والرسام عبد الجليل شلبي الشهير باسم "لاوني" الذي عاش في القرن الثامن عشر. وهناك أيضا الفنان فيض الله داي جيل (ت 1949)، والخطاط الفنان نجم الدين آوق ياي 1976م)، ومحسن دميروناط، والفنانة رِقّت كونت (ت 1986).

أما في الوقت الحالي فهناك الفنانون المعاصرون، أمثال: الخطاط محمد أوغور درمان وزوجته شيشك درمان، والخطاط محمد خسرو صوباشي وزوجته، والفنانات إنجي بيرول، وبانو ماهر وفيليز شاغمان ونيلوفر كوفايز، والخطاط حسن شلبي.

أشكاله وأنواعه

هناك مجموعة من الأشكال والرسوم الجميلة تستخدم في فن التذهيب عند الأتراك يصنفها كتاب بعنوان "أشكال ورسوم فنون الزينة التركية: Tur  Tezyini Sanatlarında Motifler" لمؤلفتيه الدكتورة إنجي بيرول، والدكتورة شيشك دَرمان، على أنها 10 من الأشكال هي:

1- الورقي (يابراق)، وسمي بالورقي نتيجة لكونه يستمد من شكل ورق النباتات ويأخذ 5 أشكال متنوعة من حجم وشكل ورقة الشجر.

2- البنش (له عدة أشكال تسمى طبقا لعدد الأوراق الموجودة فيه)، وهو أيضا شكل من أشكال النبات المتوّرق، وأصل الكلمة فارسية.

3- خطائي، وهو أيضا عبارة عن أشكال حلزونية تأخذ شكل الوردة المتفتحة، ترى الفنانتان التركيتان إنجي بيرول وشيشك درمان أن أصله يرجع لمنطقة "هرات" بتركمنستان.

4- البرعمي، وهو الزهرة أو الوردة غير المتفتحة، ويسمى عند الأتراك (جُونجَا جُول).

5- النصف وردي، ويسمى بالتركية "ياري أسلوب لاشدريلميش شيشك لار".

6- الحيواني، ويسمى "حيوان موتيفي"، ويعتمد على أشكال الحيوانات الخرافية (العنقاء والتنين) التي شغلت عقول الأتراك في الماضي وقبل دخولهم الإسلام.

 7- السّحابي المعتمد على أشكال السحب، ويسمى بالتركية "بُولوط".

 8- الشينتاماني، وهو عبارة عن أشكال جميلة، وقد وجد هذا الشكل مكانة كبرى له في تشكيل وتزيين الأقمشة والستائر وأطراف إطارات الصور، أكثر من استخدامه في تزيين الكتب.

 9- المُنحني، وقد سمي كذلك نتيجة لانحنائه، واستخدم هذا النوع في تذهيب أطراف صفحات كتب القرآن الكريم والمخطوطات في العصر السلجوقي.

10- الرومي، وهو المعبر عن شكل الحيوان الذي كانت له أهمية كبيرة في تاريخ الأتراك في آسيا الوسطى وبعد انتقالهم لهضبة الأناضول.

وينقسم هذا النوع لمجموعتين، الأولى حسب الشكل، وتتكون من 6 أشكال (الرومي المستوي، والرومي الدندانلي، والرومي المشغول، والرومي السنجي، والرومي المبروم، والرومي الخردة).

والثاني حسب هدفه ووظيفته في التصميم، ويتكون من 4 أنواع (الرومي المفصول، والرومي المرتفع، والرومي الغابي المتوسط، والرومي الخردة).

 هذا عن الأشكال المستخدمة في التذهيب، أما أنواع التذهيب فهناك النوع الأكثر شهرة ويسمى "حَلي كاري"، وهو عبارة عن طرز من التذهيب الظلّي الناتج عن استخدام نوع من الألوان المخلوطة بماء الذهب ومادة الجيلاتين5، وله وجود في تزيين أطراف الكتب والمخطوطات ولوحات الخط والفرمانات السلطانية. ومن مشاهير المذهبين بهذا النوع علي أسُكودارِي ومحسن دميروناط

   
نرحب بك صديقاً دائماً لأمواج ونسعد بإرسال كل جديد إليك
ارسل بريدك الالكترونى
 
للحصول على الإصدرات السابقة من المجلة
 
يمكنك ان تقوم بالبحث فى كل اعداد المجلة
بـحــث مــتـقـدم
 

 


حقوق النشر محفوظة ( 1998-2006 ميلادية) مجلة أمواج سكندرية
التطوير و التنفيذ System Online & دار الصديقان للنشر والاعلان