مولد الأمام الحسين بين عرفة عبده وإدوارد لين !!

 
 
منير عتيبة

ان لكل مدينة مصرية أيام الفراعنة معبودها المحلى .. لذلك لم يكن يخلو يوم من أيام السنة من عيد مصرى .. حتى أن بيير مونتيه فى كتابه "الحياة اليومية فى مصر" يقول: "لقد كانت الأعياد طوال السنة عديدة جداً ولا حصر لها" ..ويصف مونتيه أحد هذه الأعياد بقوله " كانوا يتعطرون ويتزينون بالملابس الجديدة ثم يتوجهون إلى المعبد لتقديم القرابين وكان يسمح لهم بتناول الشراب والأطعمة والصياح أكثر من المعتاد " .. "يركبون القوارب ومعهم نساؤهم يحملن الصاجات ، والرجال لا يكفون طوال الطريق عن الغناء والرقص وتبادل الدعابات مع من يصادفونهم فى الطريق ".
ولم يتخل المصريون أبداً عن حبهم للاحتفال ، ففى العصر المسيحى حل القديسون محل آلهة الفراعنة المحلية ، وعندما دخل الدين الإسلامى مصر كانت قبور ( أولياء الله ) تفى بالغرض !!
هذه العادة المتأصلة فى الشعب المصرى ، والحب العميق الذى يكنه هذا الشعب للرسول
r وآل البيت الأطهار جعلا الاحتفال "بموالد أهل البيت" سمة من سمات الحياة الشعبية – والرسمية فى أوقات كثيرة - فى مصر : مثل مولد السيدة نفيسة، ومولد السيدة زينب ( أم هاشم )، ومولد السيدة فاطمة النبوية بنت الحسين ..أما أشهر هذه الموالد على الإطلاق – بعد المولد النبوى – فهو مولد الإمام الحسين بن على بن أبى طالب رضى الله عنه .
المكانة العظيمة التى يحتلها الإمام الحسين فى قلوب المصريين لم تأت من فراغ .. فهو حفيد الرسول
r من ابنته المفضلة فاطمة الزهراء رضى الله عنها وعلى بن أبى طالب كرم الله وجهه .. وهو الشاب المجاهد من أجل الحق .. والشهيد الذى دفع حياته ثمناً للدفاع عما يرى أنه حق … وهو المظلوم الذى تخلى عنه أنصاره .. وتعامل معه أعداؤه بنذالة .
لذلك لن تجد باحثاً فى حياة المصريين وعاداتهم إلا يعطى مولد الإمام الحسين اهتماماً خاصاً لما يرى من عناية المصريين به .. وهنا نقدم نصين يصفان هذا المولد يفصل بينهما أكثر من 150 عاماً، أحدهم للرحالة المستشرق الإنجليزى إدوارد لين من كتابه " المصريون المعاصرون " التى ظهرت طبعته الأولى عام 1836.. والنص الثانى للباحث المصرى عرفة عبده على من كتابه " مملكة الأقطاب والدراويش "التى ظهرت طبعته الأولى عام 1997.. ويمكن للقارئ أن يستخلص من قراءته للنصين جنباً إلى جنب –مع وضع وصف بيير مونتيه لاحتفالات المصريين القدماء فى الاعتبار- أموراً كثيرة.. لعل أهمها فى رأيي الآليات التى يعمل من خلالها التدين الشعبى لتبقى مظاهره حية وقائمة، وطقوسه معمولاً بها، رغم تغير الظروف التاريخية والأديان نفسها، ولعل ذلك يرتبط –فى أحد مستوياته- بعدم قدرة السواد من الناس على التعامل مع جوهر الفكرة الدينية بتجريد خالص، فيلبسونها أثواباً من طقوس وممارسات تجعلها ملموسة ومرئية بقدر الإمكان.. كذلك نلاحظ أنه لم يحدث تغيير كبير فى شكل هذه الطقوس والممارسات ومكوناتها الأساسية مثل الطابع الاحتفالى وألوان الطعام والشراب والغناء والرقص وبعض العادات المبتذلة التى لا يخلو منها تجمع كبير جداً فى احتفال أو مولد.. كما أن النتائج التى يتمخض عنها الاحتفال متشابهة كإدخال البهجة على النفوس، وكسر روتينية الحياة اليومية، والشعور بالراحة لأداء ما يعتقدون أنه واجب دينى يقربهم من الله، بالإضافة إلى النشاط الاقتصادى والفنى بأشكاله المختلفة والذى يكون على هامش الاحتفال وفى القلب منه معاً.
مولد الإمام الحسين فى أواخر القرن التاسع عشر
يصف الرحالة المستشرق الإنجليزى إدوارد لين فى كتابه " المصريون المعاصرون " التى ظهرت طبعته الأولى عام 1836مولد الإمام الحسين كما شاهده بنفسه كما يلى:
يشهد جامع الحسين خلال فترة خمس عشرة ليلة وأربعة عشر نهاراً فى شهر "ربيع الثانى" ( الشهر الرابع الهجرى) احتفالاً " بمولد الحسين" تكريماً لذكرى مولد الحسين الذى يقال أن رأسه مدفون فى هذا المكان . ومولد الحسين أكثر الموالد احتفالا فى القاهرة لا يتجاوزه أهمية سوى المولد النبوى ويصادف دائماً احتفال مولد الحسين نهار ثلاثاء، وأما الليلة التى يطلق عليها فعلاً ليلة المولد فهى الليلة التى تعقب الثلاثاء مباشرة، أى ليلة الأربعاء .ويقع مولد الحسين عامة بعد حوالى خمسة أو ستة أسابيع من مولد النبى، وأما هذه السنة (وأنا اكتب فى وقت الاحتفال الذى أصفه اليوم فى سنة 1250 للهجرة /1843 للميلاد ) فقد تم تحديد ليلة الحادى والعشرين من الشهر ليلة الاحتفال بالمولد.
يضاء الجامع فى كل ليلة من الليالى الخمس عشرة التى ذكرتها آنفاً بعدد كبير من الأضواء والشموع التى يشمخ بعضها خمس أو ستة أقدام، ويتولى " ناظر" الجامع إضاءة الجامع فى الليلة الأولى من الأموال المُتَبَرَّع بها للجامع، ويضيئه حاكم العاصمة فى الليلة الثانية (وهو حبيب أفندى حالياً) وشيوخ بعض طبقات الدراويش فى الليالى المتتالية إضافة إلى بعض موظفى الجامع الكبار والأغنياء من الناس .
وتبقى المحلات التى تبيع المأكولات والمشروبات وكذلك المقاهى مفتوحة أبوابها فى تلك الليالى، حتى أن المحلات والمقاهى الواقعة فى أحياء أخرى لا تقفل حتى انبلاج النهار، فيحتشد الناس فى الشوارع القريبة من الجامع يستمعون إلى المزيكاتيين والمغنيين وبعض رواة القصص الشعبية كذلك يشهد الجامع اكتظاظاً . ونجد فى قسم من رواق الجامع الكبير لفيفاً من الناس يفترشون الأرض فى صفين مواجهين فيقرأون جماعة بعض أجزاء من القرآن، وهذا ما يعرف "بالمقرأة"، وقد ينقسمون جماعات جماعات عند القراءة . ويقع نظرنا فى قسم آخر من الجامع على فريق يقرأ من كتاب " دلائل الخيرات " وهى مدائح فى رسول الله
r، ونجد فى قسم مغاير جماعة من الناس يتلون أشكالاً محددة من الصلاة، وغيرهم يتلو الذكر. وتصادف أفراداً يتجولون بين مختلف هذه الجماعات وهم يؤدون صلواتهم وتضرعاتهم عن روح الحسين، أو يجلسون على الحصر، وهؤلاء هم الزوار الذين قصدوا الجامع لشتى الأسباب فإما تقوى أو مجرد فضول، أو حباً بالترفيه والتسلية. ويجتمع عادة عند الضريح لفيف من الدراويش أو غيرهم (وهو مغطى بقبة كبيرة ويعرف من هذا المنطلق "بالقبة") يتلون أشكالاً من الصلاة. ويدخل الزوار الضريح عادة لأداء سورة الفاتحة والدوران حول الضريح، بيد أن أكثر أروقة الجامع اكتظاظاً هو الرواق الكبير حيث تتوالى حلقات الذكر وتقام غيره من الاحتفالات، نرى فى كل ليلة من ليالى هذا الاحتفال "الأشاير" وهى مسيرات الدراويش المنتمين إلى طريقة واحدة أو عدة طرق يمرون فى الشوارع حتى جامع الحسين يسبقهم اثنان أو ثلاثة من الرجال بطبولهم ومزاميرهم وصناجاتهم أحياناً، ويرافقهم حاملو المشاعل، ويجمعون أفرادهم فى منازلهم وهم فى طريقهم إلى الجامع، وإذا مروا بضريح أحد الأولياء تتوقف موسيقاهم لفترة بسيطة ويتلون سورة الفاتحة أو مدحاُ فى الرسول مشابهاً لما يقولونه فى بداية (الشموع) ويزورون الضريح ثم يعودون أدراجهم باستثناء شيوخهم وقسم منهم الذين يبقون أحياناً فى القبة ويشاركون فى تلاوة الصلوات.
ومن الليالى التى تستقطب أنظار المصريين ليلة الجمعة (أى تلك السابقة ليوم الجمعة) قبل ليلة المولد مباشرة، وهى ليلة "الشيخ الجوهرى"، وهو رجل ثرى يضئ الجامع فى هذه المناسبة بأضواء مشعشعة غير عادية. توجهت فى تلك الليلة بعد المغيب بحوالى الساعتين إلى الجامع قبل بدء الاحتفالات. وكنت كلما دنوت من الجامع وجدت الشوارع محتشدة بالناس، ففى زاوية تجمع الموسيقيون إضافة إلى راقصين يونانيين من الصبية و"جنك" متأنق متخنث فى مظهره منسدل الشعر يرقصون على أنغام آلات المندولين التى كان يعزفها اثنان من مواطنيهم وحشد من الأتراك المتحمسين المعجبين مع طائفة بسيطة من المصريين تحيط بهم. وعلمت أن هؤلاء كانوا حاضرين فى أدائهم فى الليلة السابقة وأنهم أصبحوا وقحين بسبب تدفق الحسنات عليهم فكانوا لا يترددون مثلاً عن وضع اليد على سلة عنب فى الشارع.
ودخلت الجامع ووجدته أكثر احتشاداً من العادى –أكثر من الليالى السابقة- والملاحظ أن الأضواء التى كانت تتلألأ نوراً فى أرجائه تكاد لا تفوق كثيراً الأضواء المشعة من الشمعدانات التى تزخر بها الكنيسة الإنكليزية عدداً، ورجعت جلبة مشوشة فى الرواق الكبير، ولم تعد العين تشاهد شيئاً ولا الأذن تسمع صوتاً، وما هى إلا لحظات قليلة حتى بدا المكان مناسباً لاحتفال دينى. وأحصيت عدداً من الأتراك وبعض معارفى بين الزوار. وجلست أولاً لأرتاح مع أحد أصدقائى وهو بائع كتب ولفيف من أصدقائه الدراويش الذين كانوا يستعدون لإحياء ذكر برئاسته. وقدموا لى القهوة التى دفعت ثمنها قرشاً للمنشد. ولم تمض على بداية الذكر.. حتى نهضت لزيارة المقام.. ولما انتهيت من الزيارة، خرجت من القاعة حيث احتشدت جماعة من الدراويش يتلون الصلوات ويجلسون فى شكل مربع بقدر ما تسمح به مساحة القاعة باستثناء الجزء الذى يحتوى الضريح… وكان عند مدخل القبة فريق يقرأ بصورة جهورية جماعية كتاب "الدلائل" الذى ذكرته سابقاً.. وبعد أن وقفت دقائق معدودة لسماعهم، رغم أن عدم وضوح أصواتهم جعل من المستحيل علىّ تمييز الكثير من الكلمات التى تلفظوا بها، عدت إلى الذكر الذى حضرته أولاً، ولم ألبث أن سمعت أصوات قرع الطبول الصادرة عن فريق من الدراويش "العيساوية" الذين استقطب ذكرهم الحشود الغفيرة تلك الليلة فى نهاية الرواق الكبير. ونهضت فوراً ومشيت قدماً ولحقنى صديقى بائع الكتب بعد أن ترك ذكره وصرخ بتهور:"يا افندى.. خذ محفظتك" وشعرت لدقيقة أن سروالى قد سحب مرات عديدة، ووجدت لاحقاً ثقباً كبيراً فيه، يبدو أن أحدهم قطعه بسكين حاد بحثاً عن جيبى.. فعندما يكون الجامع مزدحماً بالناس كما كانت الحال فى ذلك اليوم، يتسلل بعض النشالين إلى حرم هذا المكان الطاهر. وكدت أيأس من الاقتراب من "العيساوية" عندما نادى خادمى الذى اصطحبته معى ليحمل لى حذائى الأشخاص حولى:"هل تعرف من الذي تدفعه؟" ووجدت فوراً الطريق مفتوحة أمامى، وكانت قد انقضت ثلاث ساعات بعد المغيب.
مولد الإمام الحسين فى أواخر القرن العشرين
يصف لباحث المصرى عرفة عبده على فى كتابه " مملكة الأقطاب والدراويش "التى ظهرت طبعته الأولى عام 1997 مولد الإمام الحسين كما شاهده بنفسه كما يلى:
مولد مولانا الإمام الحسين –رضى الله عنه- هو أشهر موالد القاهرة.. وزيارة ضريحه –فى الأحوال العادية- لها صفة القداسة، حيث يتزاحم الزائرون للطواف حوله ولمس المقصورة، والقلوب والألسنة لا تنى عن الدعاء والتوسل، ويود كل منهم لو تريث قليلاً، لكن سدنة الضريح يقفون بالمرصاد ولا يسمحون لأحد بالتلكؤ.. إسعى.. إسعى وصلى على النبى!.. ويجد الكثيرون أنفسهم مرغمين على مغادرة الضريح، انتزعت نفوسهم انتزاعاً.. فيودعونه قلوبهم ويخرجون بظهورهم ووجوههم تجاه الضريح تأدباً، والمحبون البسطاء يطبعون قبلاتهم على الباب الخشبى وعلى العتبة الرخامية والمقصورة!
يستمر مولد الإمام الحسين لمدة أسبوع، والليلة الختامية يوم الثلاثاء، ويبدو الجامع كتلة من النوار المبهرة ليلاً، وتنتشر السرادقات حوله وفى ساحته والمنطقة المحيطة به، خاصة شارع الباب الأخضر، الفنادق الشعبية محجوزة بكاملها قبيل بدء الاحتفالات، وتظل المطاعم والمقاهى تستقبل روادها طوال 24ساعة، ومع غروب الشمس، ليس هناك موضع لقدم، ضجيج الميكروفونات يتصاعد من جميع السرادقات، بقراءة القرآن والخطب والإنشاد، تتداخل الأصوات الصاخبة وتتدافع الأجساد المتلاصقة.. حلقات الذكر تنتشر داخل المسجد إلى ساحته والشوارع الجانبية.. روائح البخور والعطور والشواء تتضوع فى الأجواء، شوادر الحمص والحلوى بأنواعها تشارك بالإعلان عن بضاعتها فى الضجيج العام!… ينتشر باعة الشاى على الأرصفة، وباعة المسابح والطراطير الملونة ولعب الأطفال.. وبصعوبة تتخلص من إلحاح الجميع!.. خيام الخدمة التى تمثل جميع الطرق الصوفية تكتظ بفرق الإنشاد والمريدين أو بحلقات الذكر..
وعقب صلاة العصر من يوم الليلة الختامية تتوافد مواكب الطرق الصوفية.. أبرزها "زفة الخليفة" أو شيخ السجادة، ممتطياً حصانه، يحيط به مريدوه، بين البيارق والرايات التى تميز كل طريقة، وتتم مع التهليل والإنشاد الجميل والزغاريد..
مولد الإمام الحسين –باختصار شديد- هو مهرجان شعبى صاخب بكل ما تعنيه الكلمة من دلالات!

   
نرحب بك صديقاً دائماً لأمواج ونسعد بإرسال كل جديد إليك
ارسل بريدك الالكترونى
 
للحصول على الإصدرات السابقة من المجلة
 
يمكنك ان تقوم بالبحث فى كل اعداد المجلة
بـحــث مــتـقـدم
 

حقوق النشر محفوظة ( 1998-2006 ميلادية) مجلة أمواج سكندرية
التطوير و التنفيذ System Online & دار الصديقان للنشر والاعلان