




















  
|
 |
 |
مستقبل الجامعات المصرية
فى عصر العولمة |
|
|
|
|
 |
|
دكتور عبد العزيز نور |
تمر الجامعات
المصرية بحالة من القلق والترقب الحذر تحسباً لصدور
القانون الجديد للجامعات وهو ذات القانون الذى لم ير
النور بعد بالرغم من الأعلان عن صدوره منذ عدة سنوات من
قبل السادة وزراء التعليم العالى السابقين والحالى بهدف
مواجهة التحديات العالمية فى التعليم الجامعى والسيطرة
على الاوضاع المتردية داخل الجامعات من خلال سن قوانين
وتشريعات جديدة تعيد الانضباط إلى الوسط الجامعى و فى
الآونة الأخيرة عقدت العديد من المؤتمرات والندوات
واللقاءات على مستويات جامعية مختلفة لدراسة قضية تطوير
التعليم وسافرت وفود رسمية لدراسة مايجرى فى بلدان
متقدمة للاستفادة من خبراتها و إعداد الدراسات اللازمة
واقرار خمس وعشرين مشروعاً للتطوير. و بدأ المجلس الأعلى
للجامعات فى تنفيذ بعض هذه المشروعات دون الاعتداد برأى
القاعدة العريضة من الأساتذة فيما يجرى حولهم من احداث
هى فى صلب واجباتهم الوظيفية كأساس لنجاح العمليات
التعليمية أو فشلها بما أدى إلى رفض مقترحات ورؤية
الوزير فى اصدارييه الأول والثانى جملة وتفصيلاً ايماناً
منهم بأن التطوير يجب ان يحظى بقبول الأغلبية العريضة من
الأساتذة وليس بقرارات فردية مركزية أو مستوردة لاتناسب
ظروفنا المجتمعية .
أن الجامعات المصرية اليوم تعانى من سلبيات عديدة متوجة
بالسرقات العلمية للابحاث والمؤلفات وتفشى الدروس
الخصوصية والانصراف لاعمال خاصة خارج الجامعة وغيرها
ولكن من يقوم بذلك هم فئة محدودة وتحت ضغوط حياتية
خاصــة و لكن مازال السواد الأعظم من أساتذة الجامعات
مازالوا بخير ويتمتعون بالسمعة العلمية والاخلاقية
بالرغم من تعددية الاتجاهات التعليمية مابين جامعات
حكومية وخاصة ومابين تعليم مصرى ومستورد (امريكى وفرنسى
والمانى وكندى وحتى الصينى00000 ) فى ظاهرة لا وجود لها
فى اى من الدول المتقدمة التى مازالت تعتز بقوميتها
ولغتها ونظم تعليمها وتاريخ جامعاتها واصبحت الشهادات
العلمية تمنح تحت مسميات مختلفة وانتماءات مختلفة بما
اضعف الشعور بالقومية والانتماء للوطن لدى الخريجين
00000 أن اختراق التعليم الجامعى بهذا الشكل قد أدى إلى
اضعاف الجامعات المصرية وطمس الهوية المصرية العربية
لبناء أجيال جديدة يكون ولائها الكامل للدول الممولة
للعملية التعليمية.
والمشكلة الأكبر أنه مع كل تغيير وزارى ينشط الوزير
ويشكل اللجان العلمية وتبدأ الدراسات وسرعان ماتتغير
الوزارة ومعها الوزير السابق ويأتى الوزير الجديد بفكر
جديد تضيع معه مجهودات من سبقوه هباء لتدور الجامعات فى
حلقات مفرغة يضيع معها الوقت وتتزايد معها السلبيات
وتستفحل معها المشاكل. وبلاشك فأن القرارات الأخيرة التى
سميت "بمقصلة الأساتذة" فرقت الاساتذة الى عاملين
ومتفرغين وغير متفرغين قد اضفت بظلالها الكثيفة على
الأساتذة ومستقبلهم وطموحاتهم وآمالهم وباعدت الهوة
بينهم وبين الاجيال الشابة منهم من ناحية وبين الادارات
العليا للوزارة من ناحية أخرى.
و فى ظل مجانية التعليم وزيادة الكثافات الطلابية فى بعض
الكليات ونقص الامكانيات التمويلية وانقلاب الهرم
الوظيفى لكوادر أعضاء هيئة التدريس وسوء أختيار القيادات
الجامعية وشيوع حالات الأنفلات الادارى بين أعضاء هيئة
التدريس لعدم احترام الأقدميات واهدار قيمة الاستاذية
وتقليص فرص الاستقلال الجامعية والاتجاه لمركزية
القرارات قد ادت الى مسوخ الآداء الجامعى بالجامعات
المصرية بما يزيد الالحاح فى سرعة اتخاذ اجراءات التطوير
والتحديث حتى لا نتأخر كثيراً عن عالم تتدفق فيه
المعلومات الحياتية اليومية وتنوعها للتجاوز الحدود مما
جعل العالم يعيش فى قرية كونية بما قضى على العزلة
والغربة. لقد ساهمت ثورة المعلومات وتحويلها الى معارف
الى بلوغ عصر العلم الثقافى و ظهور "العولمة" كنتاج
طبيعى لحضارات شاركت فيها مختلف شعوب العالم على مدى
العصور المختلفة ادت لتحسين المنتج المعرفى وتوفير فرص
عمل كريمة للحياة الإنسانية القويمة مع نبذ العنف
والأرهاب والحروب فى العالم الجديد واصبح الاقتصاد
قائماً على المعرفة وانتاجها وتسويقها بما يدر دخلاً
لمنتجها من خلال تعليم مرتفع الجودة يتميز بحسن تكوين
المنتج المعرفى والتزام كافة الدول بازالة القيود أمام
انتقال الأفراد.
أن التقدم المذهل فى مختلف مجالات التكنولوجيات الحديثة
سواء كانت حيوية أو معلوماتية أو دقائقية قد ساهم فى
تحويل الاقتصاد العالمى من اقتصاد قائم على العمل والجهد
العضلى إلى أقتصاد قائم على المعرفة والجهد الذهنى مما
اثر فى طبيعة المنتجات فى عصر العولمة لتؤثر فى مختلف
شعوب العالم بدرجات متفاوتة وفقاً لتاريخها وتقاليدها
وثقافاتها واولوياتها0000 ان تطورات العولمة قد ادت إلى
احداث تغير مجتمعى جذرى يعتمد على المعرفة تفاعلت معه
الدول المتقدمة بدءاً من الجامعات ومختلف المحافل
العلمية بها لتطوير المناهج والنظم التعليمية بأسس
ومعايير محددة تؤكد على جودة المنتج لتخريج "عمال
المعرفة" المزودين بمهارات معرفية وتكنولوجية
و يشير واقع الحال فى الجامعات المصرية انها مازالت
بعيدة عن هذه التحولات العالمية بما يهدد خريجيها بأن
يكونوا خارج المنافسة العالمية المندمجة فى إنتاج "عمال
المعرفة" اللازمة لعصر العولمة. ولذا فإن الحاجة ماسة
الى ضرورة القيام باجراء مراجعة شاملة لرسالة التعليم
والتعلم فى الجامعات المصرية للوصول إلى أوفق السبل
لتخريج "منتج معرفى جيد " يكون ملماً بالمعارف الحديثة
ومسلحاً بمهارات تخصصية متقدمة تمكنه من انتزاع أفضل فرص
العمل فى السوق العالمى وأن تكون هذه هى الرسالة الواضحة
للجميع. حيث أن نظم التعليم الموروثة من القرون الماضية
لم تعد نموذجاً صالحاً لإنتاج المنتج المعرفى المصرى
المأمول وبات من الضرورى انجاز عمليات التطوير فى
المناهج الدراسية و طرق التدريس والوسائل المساعدة
واساليب التقويم وضمان التحديث والتعليم المستمر طوال
العمر مع الاستعانة بالتكنولوجيات والعلوم الحديثة كعامل
مساعد فى اثراء خبرات التعليم والتعلم الفاعلة و المؤثرة
من منطلق أن عولمة المعرفة أصبح مطلباً عالمياً تسعى
كافة دول العالم لتحقيقه لمواطنيها من اجل اشباعهم
واسعادهم وحمايتهم . و من خلال مجتمع عولمة المعرفة
يتشكل مجتمع عالمى لا يضع حدوداً جغرافية أو سياسية أو
عرقية أو دينية وخلافه 0000 سعياً وراء تحقيق قاعدة
معرفية ذات مقدرة على التنافس الحر أو للتعاون الدولى من
اجل المنتجات المعرفية.
وفى ظل العولمة فأن الجامعات المصرية مدعوة بشدة لأن
تبادر بادراك الحقائق والتحولات العالمية الهامة كأساس
وشرط للأنضمام للركب العالمى الذى يتسابق بلا كلل ولا
ملل نحو المشاركة فى اعداد "مجتمع المعرفة" الذى بدأت
ملامحه فى التبلور نهايات القرن العشرين لشرح التحولات
الاقتصادية فى العالم من اقتصاد صناعى قائم على الصناعة
من وجهة إنتاج السلع وتسويقها إلى "اقتصاد معرفى" يعرف
بأنه المجتمع الذى يقوم على اساس نشر المعرفة وانتاجها
وتوظيفها بكفاءة فى جميع الانشطة المجتمعية المرتبطة
بالتنمية البشرية . ومن هنا تتحدد ادوار الجامعات
المصرية فى عصر العولمة ومجتمع المعرفة لتوفير المعارف
التخصصية اللازمة التى سيقوم الطلاب بدراستها لتطوير
معارفهم من اجل إنتاج منتج من "عمال المعرفة" المهرة فى
مجالات العلوم المختلفة مثل الطب والهندسة والصيدلة
والزراعة والقانون والاقتصاد وغيرها 000000 وذلك كمساهمة
فى نشر وانتاج المعرفة وجودتها فى خدمة المجتمع وتنمية
البيئة.
ولذا فمن الواجب ان تتحول الجامعات المصرية فى عصر
العولمة من مؤسسات تعليمية تقليدية الى منظمات تخصصية
تهتم باكتشاف المعرفة ووسائل إنتاجها وتطبيقها حيث أن ما
يميز جامعة عن أخرى هى مقدرتها على التحديث والتواصل
واستمرار التعلم والعمل بروح الفريق لمواجهة التحديات
التى تواجه تخريج "عمال المعرفة" وتمكنهم من تحقيق
الانجاز مع اتباع افضل الممارسات المهنية المعتمدة على
التفكر والتدبر عند دراسة المشكلات المطروحة للوصول إلى
أفضل الحلول مع ايجاد الوسائل الكفيلة باستمرار "مسيرة
التعليم مدى الحياة" كضمان لاستمرارية تطوير المعارف
والعطاء المعرفى. وتحتاج الجامعة فى ضوء العولمة كذلك
الى تكثيف استخدامها لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات
واقلمتها المستمرة للتعامل مع المستجدات ومواجهة
التحديات التقنية المتنامية مستقبلاً . مع ضرورة
الأقتناع بعالمية المعرفة وحتمية اكتسابها للتواصل مع
المستجدات المعرفية المتناقلة على مدى الساعة.
واذا كنا قد حددنا هوية المنتج المعرفى فانه لابد من
توفير المتطلبات والضمانات اللازمة لإنتاجه بما تضمن
تحول الجامعات المصرية من التعليم من منظور محلى يعتمد
على الحفظ والتلقين الى تعليم عالمى يرتكز على الفكر
والابداع وهذا لن يتم الا بالتحول من الادارات المركزية
إلى اللامركزية بما يعنى استقلال كامل للجامعات وتحريرها
من قيود وزارة التعليم العالى والمجلس الأعلى للجامعات
لتكون لكل جامعة شخصيتها المستقلة والمنفصلة تماماً
المتميزة عن الأخرى ويكون لها قوانينها الخاصة التى تتيح
لها الأنطلاق الى عالم العولمة ملتزمة بتحقيق الرسالة
التى انشئت من اجلها ولذا فالدعوة لاستقلال الجامعات هو
الضمانة الأساسية لسرعة اتخاذ القرارات العاجلة لمصلحة
العمليات التعليمية والبحثية داخل الجامعة بما سيوفر
الوقت والجهد والمال.
و اصلاح الادارات المختلفة داخل الجامعة يتم من خلال
اعادة الهيكلة الوظيفية والتخلص من العمالة الزائدة
والمعوقة للانطلاق مع حسن أختيار القيادات الجامعية
بتنفيذ ضوابط واسس ومعايير واضحة للأختيار لايخطئ فى
رؤيتها أحد. ولعلى أسوق مثالاً من ألمانيا كأحد القلاع
العلمية المتقدمة والتى تضم 84 مليون نسمة وبها 172
جامعة و186 معهد تقنى وكيف يتم اختيار قياداتها العلمية
والتى تبدأ بعميد المعهد العلمى أو الكلية حيث يتم
الاعلان عن شروط أختيار الوظائف القيادية للجميع داخلياً
وخارجياً وتتضمن ان يترواح السن مابين 40-45 عاماً وذلك
لاستمرار الفرصة للعطاء الوظيفى مابين 20-25 عاماً متصلة
وان يكون ذو سمعة علمية متميزة بما يعنى اثبات نجاحه فى
تخصصه العلمى فى هذا العمر وفرض مدرسته العلمية على
المستوى العالمى وان يكون له اتصالات عالمية بالمراكز
العلمية التى يتبعها تخصصه امعاناً فى التواصل والانفتاح
على العالم العلمى الخارجى وان يكون قد انجز عدداً من
المشروعات البحثية ونشر إنتاجه العلمى فى ارقى المجلات
العالمية وان يقدم دراسة وافية توضح رؤيته اللازمة
لتطوير المكان الذى سيقوده على المدى الطويل (25 عام)
محدداً الأهداف والخطه والتمويل والنتائج والانجازات
التى سيقوم بتحقيقها والضمانات التى سيقدمها من خلال
برنامج زمنى محدد يمكن محاسبته عليه أولاً بأول. ويتم
أختيار المرشح بمعرفة لجنة سرية مكونة من 30 شخص تضم
الطلاب والموظفين والاساتذة لتقييم جميع المتقدمين
المستوفين لشروط التقدم وترتيبهم واختيار اكفأ ثلاثة
اشخاص يكلفون باعداد ثلاث مقالات علمية متعلقة بمجالات
تخصصهم الدقيق والعريض لإلقائها فى ثلاث جامعات مختلفة
وتقوم لجنة التقييم السرية بالتقييم وتقديم النتائج إلى
جهة محايدة تماماً لفحص النتائج وتحديد المرشح الأول
الذى يتم تعيينه دون النظر إلى انتماءاته السياسية أو
الدينية أو العرقية أو خلافه 00000 ومن العمداء يتم
تشكيل مجلس الجامعة ويتم تبادل الرئاسة بينهم دورياً
لعام واحد فقط بما يضمن عدم التنافس على منصب رئاسة
الجامعة وتعظيم لدور المعهد العلمى أو الكلية وفى هذا
لامركزية اخرى داخل الجامعة لسرعة اتخاذ القرارات لصالح
العملية التعليمية والجامعة فى آن واحد.
واذا كنا قد تعرضنا لعنصرى استقلال الجامعات واختيار
القيادات الجامعية فأن قائمة أخرى من المتطلبات اللازم
اتباعها حتى تتوافق الجامعة مع متطلبات العولمة سيتم
استكمالها فى مقالة قادمة بأذن الله |
|
|
|
|
|
|