 |
|
عرض :
عبد المنعم أبو زهرة |
خلال مؤتمر الإصلاح العربي الثالث
الذي تنظمه مكتبة الأسكندرية ... لاحظت مدى حرص الدكتور إسماعيل سراج
الدين على تقديم التحية لذكرى الدكتور عادل أبوزهرة الذي اختطفه الموت
وهو في ذروة نشاطه المتعدد الجوانب وعطائه الغزير .
وأرادت مكتبة الإسكندرية أن تكون وفيه لواحد من طلائع المثقفين المبدعين
الذين احتضنوا مشروعها الحضاري وكرسوا كل طاقتهم لخدمة المجتمع المدني
بمدينة الأسكندرية , كما أرادت أن ترد الجميل لما قدمه للمكتبه من دعم
معنوي ونشاط فكري فهو رئيس منتدى الحوار بالمكتبه لمستشارها الأول ,
وأمين عام الجمعية المصرية لأصدقاء مكتبة الأسكندرية , كذلك تولى أبوزهرة
تأسيس العديد من الجمعيات الأهلية لتنمية البيئة ورعاية الشباب والمرأة
والثقافة .
وتفقد حركة التنوير في مصر واحدا من نجومها برحيل أبوزهرة.. كان يناقش
الأعمال الفنية ويتولى مهمة التعريف بالحضارة والثقافة والفن, وبمعنى
الجمال وتذوقه وتأثير الفنون على شخصية الإنسان وسلوكه ونشاطه.. وأشعر
بالأمتنان نحو مكتبة الأسكندرية لأنها قامت بطبع وتوزيع كتاب هذا المثقف
الراحل الذي يحمل عنوان " البيئة وفلسفة الجمال " على ضيوفها في المؤتمر
هذا العام .

ونأتى لتقديم د.عادل أبوزهرة في مقدمته لهذا الكتاب " البيئة وفلسفة
الجمال " ودعوته لدول العالم النامى أن تأخذ بفكرة تدريس برامج في
الدراسات الإنسانية لطلبتها والتي يعد موقفا حضاريا وتربويا متقدما , كما
يعد فهما صحيحا لمعنى التربية والتعليم وكان الرائد الأول لذلك المنهج
ومؤسسة في إحدى جامعات التكنولوجيا والمعاهد العلمية التابعة للجامعة
العربية " العلوم السلوكية والبيئة وعلم الجمال والتنمية البشرية وغيرها
" .... ويقول أيضا إن الانسان لايمارس دورا واحدا في الحياة , وإنما هو
يلعب مجموعة من الأدوار , وعلى أي معهد علمي أن ينظر إلى ذلك بقدر كبير
من الفهم . وأن يعمل على الإسهام في تربية شخصيات طلابه , وعلى إكسابهم
ثقافة عامة , وليس مجرد الإكتفاء بإعدادهم لمهنه , ولذلك قام بإعداد
برنامج في الدراسات الإنسانية على أمل أن يسهم في توسيع أفق الطلاب وفي
مساعدتهم على فهم أنفسهم وفهم العالم بطريقة صحيحه , وفي جعلهم , حتى في
ممارستهم لمهنتهم , أكثر تعاطفا مع قيم الحق والخير والجمال .
أما في تقديم مكتبة الاسكندرية لهذا الكتاب النفيس , ممثلة في مديرها د .
إسماعيل سراج الدين .
ذكرى وتحية لواحد من طليعة المثقفين المصريين والعرب المبدعين , الذين
احتضنوا مشروعها الحضاري الوليد , فنفخوا فيه من روحهم الوثابة وخيالهم
الخلاق ... ويقول د . سراج الدين كانت حياة الدكتور عادل أبوزهرة بأكملها
, نموذجا فريدا لهذا الجمع بين حياة الأفكار وممارستها على الصعيد العلمي
.
وهو في هذا الكتاب الذي تنشره مكتبة الأسكندرية , يكشف لنا بعمق نفاذ ,
عن البعد المعرفى لهذه الطبيعة المنتجة المنجزة , فلم يكن دكتور عادل
أبوزهرة , بعيدا عن روح التنظير الفلسفى وهو يمارس مبادراته في العمل
المجتمعى , مما ضمن له بعد الرؤية , ونبل الغاية , وشرف المسعى في الاّن
ذاته .
ولعلنا نلمس منذ المقاربة الأولى لهذا الكتاب " البيئة وفلسفة الجمال "
هذا الطابع الجسور الذي تميز به , فقد درج المفكرون والأساتذة , على
الحديث عن الطبيعة في علاقتها بالجمال وعلومه لكن مصطلح البيئة . وهو
يعني لديه الحالة المادية والمعنوية للطبيعة الحاضنة للبشر , أفرادا
وجماعات , والمتفاعلة معهم وكأنه قد أصبح شغل الإنسانية وعلومها , فأثر
كاتبنا أن يقرنه بالبعد الجمالي الذي يوشك أن يفتقده من منظور وتقدمى
رفيع ...... !!!

أما الهدف الجوهرى وراء كل ذلك , فيجملة الدكتور عادل أبوزهرة بكلمات
يسيرة وعميقة في بعدها التربوي , إذ يمثل في " إمتلاك القدرة على التعجب
والتأمل والإندهاش أمام كل ماهم جميل , باعتباره المظهر الأول لنمو
حياتنا الوجدانية وتجربتنا الجماليه , وأحسب أن هذه الغاية التربوية ,
المرتبطة بحاجات المجتمع المصربى والعربى الان , هي التى حددت منهجه في
تركيب الاتجاهات الفكرية على تباينها , ودفع ماقد يكون بينها من تناقض
باستخلاص الوجوه المتعددة للحقيقة على إعتبار أن التراث الفكري للإنسانى
هو الأساس المشكل للوعي المعاصر .
ومن خلال أبواب الكتاب تعرض امؤلف لمفاهيم دقيقة في علم الجمال ومناهج
النقد الفني – مثل نسبية القيمة , وثراء الدلالات المتعددة للأعمال على
اختلاف العصور والأجيال – أن تبرهن على حسه العلمي , وإحاطته بالمقولات
الفلسفية الأساسية بالموضوع , مع قدرته التربوية على تبسيط الأفكار
وإضاءتها بسلاسة محببه وتفخر مكتبة الأسكندرية له كرمز للفكر والثقافة
الفاعلة وضع هذا المؤلف في أكثر من عشرين بحث وفصل هي مكوناتهذا الكتاب
بدء من أهمية الدراسات الأنسانية ,والبيئة وفلسفة الجمال وفي الحضارة ,
ومعنى الثقافة مرورا بالجمال والحقيقة , والجمال والأختراق , النقد الفني
والجمالى , إنتهاء بجمال من الشعر وفن الرواية ...
ففي هذا الكتاب الذي نستعرض فكرته الأساسية في السطور التالية , مايفسر
لنا هدف الدكتور أبوزهرة من وراء مناقشته للأعمال الفنية .
الهدف هو " ذلك النشاط الذي يقوم به إنسان لديه قدرة خاصة أو موهبة
يمارسه بإرادته الحره , على عناصر بسيطة يركبها أو يؤلف بينها وينظمها ,
بإتقان ومهارة , وبطريقة معبرة وجذابه تدعو من يطلع على هذا النشاط
ويدركه .. إلى التوقف والتأمل والتأثر "
هنا يجب أن يكون واضحا أن تنمية الوظائف الوجدانية والعاطفية تتيح تحقيق
نمو متوازن للشخصية وتربية العاطفة والحس الجمالي لايقل أهمية عن تربية
التفكير وفي نفس الوقت ينبغي قطع الطريق على تكيف الأنسان مع القبح
والفوضي والضجيج.
ولهذا السبب حذرنا المفكر الألماني " هارتمان " من أن أسوء مافي الأنسان
المعاصر أنه أصبح كائنا متبلدا يعاني من الخواء النفسي , ولا شى يدهشه
ولا شي يحرك شغاف قلبه , ولا شي يستثير حياته الباطنية .
وأصبح الشغل الشاغل لعدد كبير من الناس هو تعظيم وتضخيم الدخل والممتلكات
, ولا مكان عندهم للعنصر الروحي المرتبط بتذوق الجمال والحكمه .
التقدم الاخلاقي هو مقياس الحضارة والأنسان يعد متحضرا – وكذلك المجتمع –
إذا تركذت أهتمامته على حب الحقيقة والجمال والخير .
فما فائدة التقدم المادي في مجتمع ما لو كان الانسان يعيش في ظله خائفا
وسلبيا وتابعا ومتعصبا وتواكليا وأنانيا وفساد الذوق ؟.
وكما هو معلوم فإن الحضارة الحديثة هي حضارة التقدم العلمي الهائل
والتقدم التكنولوجي السريع ووسائل الإتصال بالغة الدقة , وحضارة تدفق
المعلومات بكميات خيالية , وهي حضارة التخصص والإنتاج الكبير والإستهلاك
الضخم للسلع والتبادل التجاري والتسويق والتنظيم والعمل ووسائل الإعلام
شديدا التأثير .
ومعلوم أيضا أن نظام الحياة في هذه الحضارة الحديثة هو نظام تنافسي يدف
الإنسان دفعا إلى الكدح المتصل لكي يحقق لنفسه مستوى إقتصاديا ملائما في
مجتمعات ترتفع فيها أسهم الإنسان بقدرمايملك وبقدر مايستطيع زيادة دخلى
المادي .
أنها حضارة إنسان لاهث مرهق بالعمل غير قادر على أن يخلو إلى نفسه ..
إنسان يعيش في ظل نظام إقتصادى تنافسي يجعل الأولوية لزيادة الربح ويفقد
تحت وطأته الشعور بالاستقرار والإطمئنان .
وهذا السعى المحموم من أجل المعايش والامتلاك لايترك وقتا أو طاقة
للثقافة أو الفكر أو الفن ...
ولم يعد للإنسان المرهق غير البحث عن تسلية سهلة رخيصة توفر عليه بذل أي
جهد يذكر .
ونتيجة لسيادة أخلاقيات السوق والتنافس على الربح ... احتلت بعض المؤسسات
التي تخدم الثقافة الجادة مركزا ثانويا " ومنها المسرح والكتاب " .
وأصبحت السطحية تفرض على الجميع حالة من الفراغ الروحى وسط أجواء الفردية
والأنانية وعدم الإكتراث بالأخرين .
هكذا يسعى عادل أبوزهرة وراء تربية " الضمير الجمالي " تقتضي العمل على
إيقاظ إحساس الإنسان بالقيم الجمالية في الطبيعة وفي الفن حتى يكون أكثر
قدرة على تذوق كل ماهو رفيع وقيم وعميق وجميل في الحياة وفي الفنون .
وإذا كانت غاية وفلسفة التعليم أن يكسب الطالب عادات ومهارات وخبرات
وأفكارا وقيما , بحيث يسهم هذا التعليم في تنمية وتطوير شخصيته وتوسيع
أفقة ويجعله أقدر على فهم الحياة والكون وفهم نفسه فهما صحيحا ويساعده
على التكيف مع المتغيرات الدائمة في ظروف هذه الحياة وأكثر تعاطفا مع قيم
الحق والخير والجمال ... فإن المطلوب هو الثقافة العامة , وليس مجرد
الإكتفاء بإعداد هولاء الطلاب لمهنة , أنه يريد لهم ثقافة إنسانية أكثر
شمولا واتساعا من مجرد معرفتهم العميقة بمادت تخصصهم العلمي .
عندئذ سيكون لدينا إنسان أكثر حساسية وأكثر رقة وأرهف شعورا .
وفي مدارسنا لاتتاح للطالب الفرصة الكافية لتذوق فنون , كالشعر أو القصة
أو الرواية أو التصوير أو النحت أو الموسيقى أو العمارة , تذوقا صحيحا
وعميقا .
فالطالب لايعزف ولا يغني ولا يشكل بيديه طينا , ولا يرقص ولايرعى زهرة أو
نباتا , ولايذهب بانتظام إلى معرض فني أو متحف ... أو حتى إلى الخلاء
لتمتع بمشاهد الأنهار والبحار أو الصخور أو مجموعات من الأشجار أو منظر
الشروق أو منظر الغروب ولذلك يحدث الخلل في شخصيته ونظل نشكو بعد ذلك من
لبيته وفجاجته وعنفه وغلظته وفظاظته .
وتدفع مهمة تكوين الضمير الجمالي .. عادل أبوزهرة إلى طرح برنامج في
الدراسات الإنسانية يجعل التربية الوجدانية وثيقة الصلة بالتربية الذهينة
ويجعل منها جزءا لا يتجزأ من عملية بناء الشخصية , إنه يريد أن يعاد
الطالب تقييم وتقدير الأعمال الفنية ومناقشتها وإصدار بعض الأحكام
الجمالية على ماتتاح له من الفرصة لمعرفته من قصائد وروايات ولوحات
معمارية , لأن تذوق المرء لفن من الفنون يسير جنبا إلى جنب مع قدرته على
فهم واستيعاب ذلك الفن .
ومعنى ذلك أن تكوين الضمير الجمالي يهدف في النهاية إلى تثقيف ذوق الطالب
وصقل وجدانه وتهذيب عواطفه .
التقدم المادي والروحي للأفراد هو الحضارة .
ومن سمات النهوض الحضاري أن يقلل من الأعباء المفروضة على الناس ... تللك
الأعباء الناجمةعن الكفاح من أجل الوجود وإيجاد الظروف المواتية للجميع
لتحقيق حياة أفضل عن طريق إشباع إحتياجاتهم المادية ومن أجل كمالهم
الروحي والخلقى .
وإذا كان من الضروري فرض سيادة العقل على قوي الطبيعة , فأين سيادة العقل
على نوازع الإنسان ؟
ويحذر عادل أبوزهرة من أن يصبح الفرد من المجتمعات الحديثة مثل كرة
المطاط التي فقدت مرونتها وصارت تحتفظ بكل أثر يقع عليها من الخارج بحيث
يتحول الفرد أمام قوة الجماعة إلى كيان ضعيف هش ويتنازل عن حقوقة
الأساسية في التفكير الحر والمستقل , ويخضع لما تقرره الجماعة من أفكار
بحيث يصبح عاجزا عن إنتاج أفكار جديدة لخوضفه من سطوة الجمهور ..
وعندئذ يترك زمام الأمور في كل شي لمن يهمهم الأمر ولا يسمح لنفسه
بالإفصاح عما يعتقده ..
حتى لو كان مع نفسه ... !!
كتاب " البيئة وفلسفة الجمال " للراحل عادل أبوزهرة , محاولة جدية للتحرر
من ضحالة التفكير... وأيضا من جفاف العاطفة، حيث يخلص علماء الجمال إلى
أن إدراك الجمال ليس تصورا خالصا لأن الشيْ الجميل ليس تصورا عقليا
وإدراك الجمال ليس متوقفا على دقة الحواس وحدتها , وإنما إدراك الجمال هو
مزيج من التصور العقلى والإدراك الحسي, وهو نقطة تلاقى العقل والإحساس .
وجمال الطبيعة في رأي المفكرين يبدو على صورتين ولو أن الحد الفاصل
بينهما ليس واضحا كل الوضوح , فالصورة الأولى هي جمال المشهد العام
الشامل لأشياء من الطبيعة مثل منظر الغابة بما فيها من أشجار وغدران
وطيور, ومنظر البحر بما فيه من أمواج وسفن وشواطىْ .
أما الصورة الثانية من جمال الطبيعة فهي صورة الأشياء الفردية مثل جمال
الزهرة أو جمال الغزال أو جمال الطاووس .
وهناك من يجعلون فكرة الجمال فكرة ذاتية تتوقف على متلقيها لكن لو كان
الأمر كذلك لالتبس علينا تعديل كيف أن بعض المشاهد يشعرنا بالجمال وكيف
أن بعضها الاخر لايثير في نفوسنا شيئا منه فلابد إذن من وجود عنصر خارجي
يجعل بعض الأشياء جميلة وبعضها الاخر غير ذلك . |