غرق الدلتا وسط حيرة العلماء

 الأبحاث العلمية المحلية تنفى غرق الإسكندرية والدلتا
الاعتماد على أبحاث عالمية خطأ لأنها أغفلت حقائق علمية حول الدلتا
ارتفاع سطح البحر لا يتعدى 20 سم فى القرن القادم ولا يهدد بالغرق
وقف المشاريع التنموية شرق الإسكندرية ضرورة لحماية الشواطئ
الحكومة قامت بحماية 20% من سواحل الدلتا بالحواجز الصناعية
يجب إنشاء لجنة قومية متخصصة تضم جميع الجهات العاملة فى المجال البحرى
 

 تحقيق/ محمد رسلان

 

 

صور غرق الاسكندرية

 أثار موضوع غرق الدلتا والإسكندرية جدلاً واسعاً بين العلماء والمتخصصين فى معهد بحوث الشواطئ بالإسكندرية وقسم علوم البحار بكلية العلوم جامعة الإسكندرية والمعهد القومى لعلوم البحار والمصايد، الأمر الذى أظهر وجود مدرستان الأولى تروج لموضوع الغرق لارتفاع مستوى سطح البحر بسبب ارتفاع درجات الحرارة وذوبان الجليد فى المناطق القطبية، والثانية تؤكد على عدم حدوث الغرق الآن، التقارير الأجنبية اعتمدت على بيانات مؤكدة تم جمعها من مصر منذ فترة زمنية طويلة انتهت فى السبعينات ولم تعمد على قياسات حقيقية وأن وراءها أهداف غير معلنة أدت إلى قيام بطلب المعونات الخارجية لحماية الدلتا من الغرق والتى بدأت مبكراً على حد قول أحد العلماء.
إغفال الحقائق
فى البداية أكد الدكتور عمران فريحى الأستاذ بمعهد بحوث الشواطئ بالإسكندرية أنه توجد مزايدة كبيرة فى طرح موضوع غرق الدلتا والإسكندرية وإغفال لحقائق علمية هامة واعتمدت الدراسات التى أشارت إلى غرق الدلتا على مجرد رؤية مستقبلية نظرية وعامة عن ارتفاع درجة الحرارة وذوبان الجليد وارتفاع مستوى سطح البحر دون الوضع فى الاعتبار العوامل المميزة للدلتا والسواحل المصرية واحتوائها على حواجز طبيعية مثل الكثبان الرملية والظلال وأعمال الحماية الصناعية ومعدل ارتفاع سطح البحر النسبى المقدر فعلياً على سواحل مصر وهو 2 مليمتر سنوياً، وأن أغلب التقديرات الذى ذكرت حجم المساحة المعرضة للغرق اعتمدت على تقييم سريع وغير دقيق لمناسيب وارتفاعات المناطق الساحلية اعتبرت أن معظم المناطق منخفضة عن سطح البحر حين توضح نتائج القياسات الحقلية والبحثية التى قام بها فريق عمل من معهد بحوث الشواطئ أن متوسط ارتفاع شواطئ الدلتا يبلغ 2 متر أو أكثر كما هو موجود فى البرلس وجمصة لوجود الكثبان الرملية مما يعنى أنها بمنأى عن الغرق.
وأضاف الدكتور فريحى أن الأبحاث العلمية التى أجريت قسمت الشواطئ إلى ثلاثة أقسام: الأولى شواطئ معرضة للخطر ومنخفضة المنسوب عن سطح البحر، مثل ساحل بحيرة المنزلة ومنطقة الطرح جنوب الإسكندرية والثانية: الشواطئ الآمنة وغير المعرضة للنحر على الإطلاق وهى الشواطئ المحمية طبيعياً بالكثبان الرملية الواقعة بين البرلس وبلطيم وجمصة والشواطئ التى يحدث عندها ترسيب مثل منتصف خليج أبو قير وأبو خشبة وجمصة بين البروزات والشواطئ المحمية صناعياً بأشكال خرسانية وهى تغطى 30% من شواطئ الدلتا وترتفع ما بين 2 إلى 6 متر فوق سطح البحر كما فى بلطيم ورشيد ودمياط.
وأشار فريحى إلى أن القياسات التى أخذها من أكثر من جهاز بحرى مثبت بموانى الإسكندرية وبورسعيد والبرلس والتى تقوم بقياس منسوب البحر على مدار اليوم منذ عشرات السنين أوضحت أن متوسط ارتفاع سطح البحر يبلغ 2 مليمتر سنوياً أمام سواحل الإسكندرية والدلتا وأنه لن يتعدى 20 سم بحلول القرن القادم، وهذه النسبة ليست كارثة ومختلفة تماماً عن التقديرات العالمية وأن هناك قطاعات طويلة من شواطئ الدلتا يحدث حالياً بها بناء وترسيب بمعدلات عالية وتتقدم داخل البحر بمعدل عشر مترات فى السنة، مثل ما يحدث فى خليج أبو قير وجمصة ورشيد، وأن تقارير البنك الدولى التى تعتمد على المحاكاة تم إمدادها ببيانات قديمة نتج عنها معلومات مغلوطة لا تنطبق على البيئة المصرية فى الدلتا ولذلك تعتبر دلتا مصر والإسكندرية فى مأمن من الغرق.
دور الجهات الأجنبية
وقد أكد الدكتور سيد حسن شرف الدين الأستاذ بقسم علوم البحار بكلية العلوم جامعة الإسكندرية أن الإسكندرية والدلتا لن تغرق لأنه فى أسوأ الأحوال الجوية سيرتفع سطح البحر من 9 سم إلى 15 سم حتى عام 2050 أثناء هبوب النوات ووجود دراسات تم إجراؤها فى هذا الشأن وتم رصد مستوى سطح البحر من الإسكندرية حتى بورسعيد خلال أربعين سنة وأخذت قراءات كل ساعة ولم يحدث شئ وتم عرض أبحاث علمية تم إجراؤها فى المؤتمر الدولى الذى عقدته وزارة الرى عام 89 بالقاهرة تؤكد عدم حدوث ارتفاع فى مستوى سطح البحر، وأن نغمة غرق الإسكندرية والدلتا بدأت منذ فترة عن طريق بعض الجهات الأجنبية والتى وافقها بعض المصريين فى الاتجاهات وسرعان ما أتخذت ذريعة لجمع التبرعات من الخارج ولا تستند لأى أبحاث علمية محلية ولا قياسات حقلية وإنما استندت لبيانات تم جمعها فى السبعينات عن طريق جهة بحثية هولندية بعد توقف الطمى الناتج عن الفيضان بعد بناء السد العالى حيث اخترعت عدة سيناريوهات لارتفاع مستوى سطح البحر من 10سم إلى 20 سم إلى واحد متر وأن الخسارة ستكون فادحة للاقتصاد المصرى وغرق مساحات كبيرة من الأراضى دون التعرض لمستوى سطح البحر خلال الخمسين سنة الماضية، ولم توجد فى هذه الدراسات أى قياسات علمية على الرغم من وجود جهاز لقياس مستوى سطح البحر فى الإسكندرية منذ أكثر من مائة عام وأن موضوع غرق الدلتا غير مبنى على أسس علمية سليمة ولكنها أفكار تشوه حقيقة وضع الدلتا فى مصر، وأن الحديث عن ارتفاع درجة حرارة الجو افتراضات غير علمية واختلفت دول كثيرة حولها وتحتاج إلى دراسات وقياسات لسنوات طويلة قبل الوصول إلى نتائج قوية تشير إلى ارتفاع درجة الحرارة لأن النتائج تشير إلى وجود اتزان حرارى على سطح الكرة الأرضية وخاصة فى البحار والمحيطات تغطى 71% من سطح الكرة الأرضية ولا يتوقع حدوث أى دمار لدلتا نهر النيل.
ويقول الدكتور إبراهيم معيزة رئيس معمل الطبيعة البحرية بالمعهد القومى لعلوم البحار والمصايد أنه يوجد حالياً مدرستان تختلفان فى الرأى حول هذا الموضوع الأولى تؤيد موضوع الغرق وتعتمد على أبحاث خارجية والمدرسة الثانية تنقى غرق الدلتا والإسكندرية وتعتمد على أبحاث محلية وقياسات تم إجراؤها على السواحل المصرية، وأن الأبحاث الأجنبية اعتمدت فى بيانات تم جمعها من مصر فى فترة عدم استقرار للسواحل المصرية المصاحبة لتوقف طمى النيل واستمر تداول تلك البيانات حتى الآن وكأنها تروج لعملية الغرق للدلتا والإسكندرية.
وأرجعت المدرسة الثانية الترويج لعملية الغرق لأهداف آخرى غير معلنة وأن ارتفاع درجة يرجع إلى وجود نظام دورات أكبر من اليومى والسنوى خلال 11 سنة ولذلك نحتاج إلى جمع البيانات القديمة البحرية والجوية ومراجعتها علمياً ثم دراستها إحصائياً للوصول إلى جواب مؤكد حول هذا الموضوع حيث أن الترويج للغرق يحتمل التأثر بالظروف الدولية والاقتصادية والاحتكارية.
وأضاف معيزة أننا نعيش فى الإسكندرية الثالثة أو الرابعة فوق إسكندرية القديمة وهذا راجع إلى هبوط الأرض وليس ارتفاع مستوى سطح البحر الناتج من ارتفاع درجة الحرارة بسبب الانبعاثات الصناعية لأنه لم تكن هناك مصانع قديماً.
التأثر بالتغيرات المناخية
وأكد الدكتور محمد الراعى أستاذ الدراسات البيئية بجامعة الإسكندرية وعميد معهد الدراسات العليا سابقاً أن الإسكندرية فى التاريخ القريب منذ مائتى سنة قام محمد على ببناء سور أطلق عليه سور محمد على وفصل بحيرة مريوط وبحيرة أبو قير عن خليج أبو قير فأصبحت مناطق منخفضة عن سطح البحر وتم تجفيفها ومن المتوقع ارتفاع مستوى سطح البحر 50 سم فى الخمسين سنة القادمة، مما يعنى أن المياه سوف تتعدى السور إلى مناطق آخرى وتتغلغل المياه المالحة فى مناطق المنتزة وسموحة وترتفع المياه الجوفية لاختلاطها بماء البحر مما سيؤثر على التنمية الاقتصادية والصحة العامة، وأن لدينا مناطق ستغرق وسيتأثر الانتاج الزراعى والحيوانى وموارد المياه والعواصف الرملية والسحابة السوداء لانخفاض اليابسة
وأضاف د. الراعى أنه يجب وقف إقامة أى مشروعات تنموية سواء صناعية أو إسكان فى شرق الإسكندرية لأنها أكثر أماكن منخفضة مهددة بالغرق والدخول بالمشروعات التنمية فى غرب الإسكندرية لأنها مناطق مرتفعة وإقامة مناطق صناعية فى الصحراء وإقامة حزام أخضر حولها لحمايتها من العواصف وتقليل التلوث.
مشيراً إلى أن شمال محافظة البحيرة مهدد بالغرق نظراً لانخفاضه عن سطح البحر حيث أجريت فى مصر قياسات بدأت من الإسكندرية وبورسعيد والسويس لانخفاض اليابسة والتى قدرت ب2 مليمتر فى السنة للإسكندرية و4 مليمتر فى السنة لبورسعيد بينما أجريت دراسات عالمية لارتفاع مستوى سطح البحر بقياسات عالمية والتى تحددت بدرجتين أو ثلاثة بالإضافة لذوبان الجليد فى القطب الشمالى والجنوبى ومن المتوقع زيادة متوسط سطح البحر بمعدل 18 سم كأقل ارتفاع و60 سم كأقصى ارتفاع ولابد من إنشاء معهد قومى للتغيرات المناخية فى مصر لتجميع الكوادر التى تضع السياسات المستقبلية المتعلقة بهذه القضايا لحماية شواطئنا وتوجيه عمليات التنمية الاقتصادية بما يتناسب مع الظروف المحلية.
التوقعات العالمية لغرق الدلتا
وأكد الدكتور سعد مصباح أستاذ علوم البحار وحماية الشواطئ بالأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا أن كل ما يقال عن غرق الإسكندرية والدلتا مبنى على توقعات ومعدلات عالمية يلزم لنا التدقيق فى معدلات ارتفاع منسوب سطح البحر التى استندت إليها وربطها بالمعدلات المحلية وليس العالمية، وتحديد المعدلات الحقيقية لما حدث فى السنوات الأخيرة حتى يمكن عمل توقعات مستقبلية مبنية على افتراضات علمية صحيحة ومن هذه التوقعات تقارير صدرت عام 2001 من اللجنة الحكومية للتغير المناخى وهى أكبر جهة علمية فى هذا المجال، قالت أن مستوى سطح البحر سيرتفع بمقدار 88 سم فى عام 2100 أى أنه بعد مائة عام سيحدث الغرق فى حين أن نفس اللجنة عرضت تقرير حديث لها فى 2007 قالت فيه أنه فى عام 2100 سيرتفع مستوى سطح البحر بمقدار 59 سم أى أن نفس الجهة بدأت تعيد النظر فى تقاريرها ونتائجها المبنية عل سيناريوهات مختلفة.
فى حين أنه توجد زيادة فى متوسط منسوب سطح البحر تحدث ببطء وعلى مر السنين وليس حدث مفاجئ ويجب اتخاذ التدابير اللازمة ووضع الخطط المستقبلية لمواجهة آثارها، ففى أحدث دراسة قام بها فريق من المتخصصين وشاركت فيها واعتمدت على جمع بيانات لقياسات المد والجذر لمنسوب سطح البحر فى ثلاث موانى مصرية وهى إسكندرية وبورسعيد وبورفؤاد خلال 60 إلى 85 سنة وهى أحدث دراسة فى عام 2007 عرضت فى مؤتمر دولى لدراسة بيئة سواحل المتوسط والذى عقد فى الإسكندرية لأول مرة توصلت إلى زيادة فى منسوب سطح البحر فى إسكندرية بمقدار 2 مليمتر سنوياً وبورسعيد 3 مليمتر سنوياً وبورتوفيق واحد مليمتر سنوياً، ومصر تحتاج لتضافر الجهود وإجراء دراسات متخصصة وإنشاء لجنة قومية استشارية تضم الجهات المتخصصة فى المجال البحرى لوضع الخطط والاستراتيجيات المستقبلية وحماية شواطئ مصر، فالدلتا لن تغرق فجأة وهناك العديد من التغيرات المناخية والبحرية تحدث بمعدلات طبيعية تستلزم أن نضع الوسائل اللازمة لحماية السواحل منها كما حدث فى منطقة رأس البر ورشيد والتى بها تزايد فى تآكل الشواطئ بسبب النحر وتم التدخل هندسياً لوقف النحر بينهما والحفاظ على الشواطئ وأن ارتفاع منسوب سطح البحر فى مصر يرجع إلى توقف الطمى بعد بناء السد العالى وإنشاء القناطر وظاهرة الاحتباس الحرارى. ولذلك يجب عدم التقليل من شأن ظاهرة ارتفاع منسوب سطح البحر ولا نقلق الرأى العام لأن موضوع الغرق لا يحدث فى يوم وليلة ويجب الاهتمام بالأبحاث العلمية المتعلقة بالبحر والأبحاث البيئية لأنها كلها عوامل مرتبطة ببعضها ولها تأثيرات متداخلة وذلك لحماية سواحلنا.
وقد أشار الدكتور عمران فريحى إلى أن الدولة نفذت أعمال الحماية لحوالى 20% من سواحل الدلتا البالغ طولها 220 كيلو متر بوسائل متعددة من حوائط الأمواج كما فى رشيد التى يبلغ طول الحائط فيها 5 كيلو متر وارتفاعه 6 متر ودمياط فى رأس البر طول الحائط 6 كيلو متر وارتفاعه 5 متر وفى بلطيم وبلغ مجموع الحواجز التى نشأت 17 حاجز تكلفت ملايين الجنيهات وأن هيئة حماية الشواطئ التابعة لوزارة الرى تقوم بهذه المهمة فى ضوء الاعتمادات التى توفرها الدولة.

 

   
نرحب بك صديقاً دائماً لأمواج ونسعد بإرسال كل جديد إليك
ارسل بريدك الالكترونى
 
للحصول على الإصدرات السابقة من المجلة
 
يمكنك ان تقوم بالبحث فى كل اعداد المجلة
بـحــث مــتـقـدم
 

حقوق النشر محفوظة ( 1998-2006 ميلادية) مجلة أمواج سكندرية
التطوير و التنفيذ System Online & دار الصديقان للنشر والاعلان