من أجل نفسية 2 مليار مشجع لكرة القدم على مستوي العالم
كرة القدم وآثارها على حياتنا النفسية
دليل نفسى للاستمتاع بمشاهدة مباريات كرة القدم الافريقية
مباريات الكرة.. فرصة جيدة للترويح والتخلص من القلق والتوتر
المباريات فرصة للمشاهد لكى ينسى همومه وآلامه
التعبير عن الانفعال هام جداً للصحة النفسية
 

 

 تحقيق/ حسام عبد القادر

 

 يتابع الملايين من عشاق كرة القدم هذه الأيام فعاليات كأس الأمم الأفريقية لكرة القدم وينتظرون بلهفة وشوق لإحراز هدف لفريقهم حيث تنطلق الصيحات والهتافات المشتعلة فرحاً بإحراز الهدف، أو يخيم الصمت والحزن على المشجعين بسبب خسارة فريقهم، وكم رأينا من قبل مشجعين يصابون بأزمات قلبية قد تؤدى إلى وفاتهم بسبب الخسارة المفاجئة أو إحراز هدف مفاجئ، وآخرين ينسون همومهم وآلامهم بعد إحراز فريقهم هدف الفوز، وقد رصد الدكتور لطفى الشربينى أخصائى الطب النفسى وعضو الجمعية الأمريكية للطب النفسى وأكاديمية نيويورك للعلوم هذه الظاهرة التى ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالنواحى النفسية والاجتماعية للفرد من خلال دراسة حديثة حول "كرة القدم وحياتنا النفسية"
ويؤكد الدكتور لطفى الشربينى فى دراسته أن مشاهدة المباريات ومتابعتها والاستمتاع بها فن لا يجيده الكثيرون، إلا أن وجود أى مسابقات لكرة القدم فرصة مناسبة وجيدة لتحقيق ترويح وفائدة كبيرة على الناحية النفسية للأفراد، حيث يعتبر كل فرد متابع للمباريات نفسه على موعد لينسى همومه خلال مشاهدته لهذه المباريات وليخرج من قلقه المعتاد واهتماماته التقليدية ليعيش أجواء المنافسة والاستماع.
ولكن هل مشاهدة المباريات فن يحتاج إلى مهارة؟!


يجيب الدكتور لطفى الشربينى قائلاً: نعم، لكي تتحقق الفائدة النفسية القصوى من المشاهدة على الفرد أن تستعد ويهيئ نفسه للمشاهدة، فمن وجهة النظر النفسية مشاهدة المباريات ومتابعتها والاستمتاع بذلك فن لا يجيده الكثيرون منا، ولذلك فهى مناسبة جيدة لتحقيق ترويح ذي فائدة كبيرة من الناحية النفسية فنحن على موعد لننسى همومنا مع هذه المباريات ولنخرج من قلقنا المعتاد واهتماماتنا التقليدية لنعيش أجواء المنافسة والاستمتاع بها
ولكي تتحقق الفائدة النفسية القصوى من مشاهدة كرة القدم علينا أن نستعد ونهيئ أنفسنا بصورة ملائمة للمشاهدة، فقبل المباراة نجمع معلومات عن الفريقين وأسماء اللاعبين ونتحمس لأحد الفريقين ونحاول أن نستمر في تشجيعه بحرارة، وأثناء المشاهدة لا نسمح لأنفسنا بالسرحان أو التشتيت ونركز انتباهنا جيداً في المباراة وسنجد أنه قد تحقق لنا بذلك مشاهدة مثمرة ومفيدة للصحة النفسية تساعد على التخلص من مشاعر التوتر والقلق، وفكرة ذلك تشبه اتباع بعض الوسائل والطرق البسيطة التي تقوم على شغل الذهن والانتباه في موضوعات مختلفة بعيداً عن مصادر الهموم والقلق.


ويضيف د. لطفى الشربينى قائلاً: كما نعلم عن مباريات كرة القدم أنها مليئة بالإثارة والانفعالات التي ترتبط بكل حركة للكرة بين أقدام اللاعبين وتوقعات ترتفع معها حرارة الانفعال لتصل إلى الذروة وقت تسجيل الهدف، والتعبير عن الانفعال هنا هام جداً للصحة النفسية، ويمكن أن نراقب مثلاً انفعال لحظة تسجيل الهدف على اللاعبين والجمهور والمذيع، وعلى المشاهد أن يبدي انفعاله أيضا ويعبر عنه بحرية مطلقة كيفما يريد فهذا مفيد من الناحية النفسية، ولا مانع أيضاً من توجيه النقد والتعبير عن الرأي في كل ما نشاهده، فالتعبير هنا تنفيس انفعالي إيجابي ووسيلة لإسقاط الانفعالات الداخلية على الحكم واللاعبين والمدربين، وهذا التعبير وسيلة لتأكيد الذات وحرية الانفعال، ويساعد ذلك في تعميم هذا الاتجاه في مواقف الحياة الأخرى حيث يمكن التخلص من الخجل والمخاوف الاجتماعية والانطواء والتعود على التفاعل مع الأحداث.


فمن خلال هذه الخطوات يكون الفرد قد استطاع أن يتبع الدليل الذي يقدمه الطبيب النفسي إلى مشاهدة مثمرة ومفيدة للصحة النفسية تساعد على التخلص من مشاعر التوتر والقلق، وكنت سبق أن قدمت في كتابي "كيف تتخلص من القلق" وسائل مبتكرة للتخلص الفوري من القلق والتوتر منها بعض الطرق البسيطة التي تقوم على شغل الذهن والانتباه في موضوعات مختلفة بعيداً عن مصادر الهموم والقلق.
إن الراحة والترويح عن النفس من الأشياء الهامة لكل منا حتى يجدد النشاط ويبعث في جسده ونفسه الطاقة والحيوية ليعود إلى مواصلة العمل، وقد يفهم البعض منا الراحة على أنها الخلود إلى الهدوء والكسل، غير أن مفهوم آخر للراحة يجعلها قضاء الوقت بصورة أكثر إيجابية وفاعلية بعيداً عن أجواء المسئولية والعمل ولكن في إثارة نشاط بدني وذهني بنّاء فكما نعلم عن مباريات كرة القدم أنها مليئة بالإثارة والانفعالات التي ترتبط بكل حركة للكرة بين أقدام اللاعبين وتوقعات ترتفع معها حرارة الانفعال ليصل إلى الذروة وقت تسجيل الهدف والتعبير عن الانفعال هنا هام جداً للصحة النفسية.


فإذا راقبنا انفعال لحظة تسجيل الهدف على اللاعبين والجمهور والمذيع فيجب على المشاهد أن يبدي انفعاله أيضا ويعبر عنه بحرية مطلقة كيفما يشاء فهذا مفيد من الناحية النفسية، ولا مانع أيضاً من توجيه النقد والتعبير عن الرأي في كل ما نشاهده فالتعبير هنا تنفيس انفعالي إيجابي ووسيلة لإسقاط الانفعالات الداخلية على الحكم واللاعبين والمدربين، وهذا التعبير وسيلة لتأكيد الذات وحرية الانفعال تساعد في تعميم ذلك في مواقف الحياة الأخرى حيث يمكن التخلص من الخجل والمخاوف الاجتماعية والانطواء والتعود على التفاعل مع الأحداث، فلتكن مشاهدة المباريات فرصة لتحقيق مثل هذه المكاسب على مستوى الصحة النفسية بجانب الاستمتاع أيضاً، وهو ما يحدث حالياً أثناء متابعة مباريات كأس الأمم الأفريقية التى تقام بغانا وتشهد منافسات حامية ويجتمع آلاف المشاهدين فى كل مقهى حول جهاز التلفزيون يتابعون ويعبرون عن انفعالاتهم ويخرجون الكبت ومشاعرهم النفسية التى يعانون منها طوال اليوم فى هذه المشاهدة للكرة المستديرة.
ويتعرض د. لطفى الشربينى لجوانب عديدة فى كرة القدم كانت سبباً فى استحواذ واهتمام الملايين
على امتداد القارة السمراء وخارجها فهى اللعبة الشعبية الأولي في الكرة الأرضية عموما وفي القارة السمراء على وجه الخصوص وتحظي باهتمام واسع كانت ولا تزال محل بحث من جانب علماء النفس والاجتماع لمعرفة أسرار تأثيرها الساحر على هذه القطاعات العريضة من الناس من مختلف المجتمعات الفقيرة والغنية على حد سواء مما جعلها ليست مجرد لعبة يتم ممارستها في الملاعب كنوع من الرياضة البدنية ولكنها تتعدي ذلك الى أفاق أخري أكبر منها.
فعلى الجانب التاريخى يعود تاريخ كرة القدم إلى العصر الفيكتوري حينما تم وضع قواعد هذه اللعبة في انجلترا قبل أن تنتشر إلى أمريكا وايرلندا وأستراليا، لكن تاريخ كرة القدم يعود لأبعد من ذلك بكثير فالكرة غالبا ما ترتبط بتاريخ الشعوب القديمة في شرق الأرض وغربها فربما كان الفراعنة في مصر القديمة هم أول من مارسها كما يذكر هيرودوت أو ربما بدأت في الصين القديمة أو لدي الأغريق أو الرومان ثم أخذت في الانتشار عبر العصور، والسر في هذا الانتشار الواسع للعبة كرة القدم دون غيرها من الألعاب أنها رياضة سهلة قواعدها مفهومة ولا تحتاج إلى أدوات معقدة لممارستها أو ملابس خاصة، كما أنه يمكن ممارستها في أي مكان متسع أو ساحة أو شارع كما أن مباريتها تتم في جو احتفالي يبعث على البهجة وهي لون من الترويح وتفريغ الانفعالات بصورة مشروعة رغم أن بعض علماء النفس يري أن الشعبية التي تتمتع بها كرة القدم سببها أنها احدي صور الحرب والصراع التي كانت تمارس بصورة غريزية في المجتمعات البشرية منذ القدم، وما يحدث في مباريات الكرة هو أمتداد للحروب والكفاح الذي كانت تمارسه الجماعات الأنسانية في العصور القديمة في صورة مواجهات مستمرة هي جزء من التاريخ الأنساني.
ويذكر د. الشربينى فى دراسته لبعض الأرقام والحقائق الهامة التى دفعت الى اعتبار كرة القدم الرياضة الشعبية الأولي في العالم حيث أن أكبر عدد من اللاعبين على مستوي العالم في أي لعبة هم الذين يمارسون كرة القدم ويبلغ عددهم ما يقرب من 250 مليون لاعب، كما أن كرة القدم يتم ممارستها في عدد كبير من الدول الغنية والفقيرة على حد سواء ويبلغ عددها 204 دولة منضمة الى الأتحاد العالمي لكرة القدم، وفى العالم ما يقرب من 305 ألف ناد وما يقرب من مليون وخمسة وخمسين ألف فريق لكرة القدم، ووصل حجم الانفاق على كرة القدم ما يقرب من 250 مليار دولار كل عام ويشمل ذلك إذاعة المباريات في المحطات الرياضية وأدوات وملابس اللاعبين وتكلفة بناء الملاعب ومرتبات اللاعبين والمدربين والحكام، كما أن هناك ما يقرب من 2 مليار مشجع لكرة القدم على مستوي العالم مما جعل كرة القدم هي لعبة القرن العشرين والقرن الحالي أيضا، والقرون القادمة، وينظر الى كرة القدم على انها نوع من الأبداع باستخدام القدم مقارنة بالأبداع في الأعمال اليدوية الذي يتميز به النشاط الأنساني المتنوع. والأهداف في كرة القدم ليست كثيرة مثل كرة السلة أو اليد مثلا وهذا يزيد من الانفعال فيها ويكون مصحوبا بالسلوك الأنفعالي الجماعي الذي يتم فيه التعبير الحر للمشاهدين حتي لو صحب ذلك بعض الخروج على النظام والأنضباط، ويتم من خلال كرة القدم تقريب وجهات النظر بين الشعوب والتغلب على الخلافات التي تنشأ من الحرب أو السياسة، كما أنها وسيلة تربوية وتعليمية للعمل الأنساني والجماعي كما يؤكد ذلك بعض الفلاسفة مثل البير كامي الكاتب الفرنسي المعروف.
ويشير د. لطفى الشربينى إلى أن الإثارة في مباريات الكرة عامة والإفريقية على وجه الخصوص لا تشمل اللعب فقط ولكن هناك مواقف انفعالية أخرى تحدث أثناء سير هذه المباراة يصل فيها الانفعال إلى ذروته، فالحماس الزائد في الملعب وعدم قدرة بعض اللاعبين على ضبط النفس والسيطرة على اتجاهات العدوان بداخلهم تدفعهم لارتكاب بعض المخالفات لقوانين اللعبة، أو الاحتكاك العنيف بزملائهم، وهنا يشهر الحكم الكارت الأصفر للإنذار، أو الأحمر للطرد من الملعب، وقد خضعت هذه الانفعالات والسلوكيات لدراسات نفسية حين لوحظ أن بعض اللاعبين الموهوبين يعانون من انفلات الأعصاب الذي يتسبب في فقد جهودهم عندما يتعرضون دائماً للإنذار والطرد من الملعب، وهناك برنامج يخضع له بعض اللاعبين المعروف عنهم عدم القدرة على التحكم في انفعالاتهم مما يجعلهم عرضة للحصول على الكروت الصفراء والحمراء يقوم على تنمية ضبط النفس والتدريب على التحكم في الانفعال وعدم التسرع في رد الفعل، وتفيد هذه البرامج في تحسين أداء اللاعبين المتميزين وإنقاذ هذه المواهب من التعرض للضياع بسبب العتاب المتكرر نتيجة لانفلات السلوك والاندفاع، كما أن للطب النفسي دور هام في تهيئة اللاعبين نفسياً للمباريات الهامة دون ضغط على أعصابهم مما يؤثر على أدائهم ويفقدهم التركيز في الملعب.
والمشكلات التي تتعلق بالصحة النفسية وتتطلب تدخل الطب النفسي في مجال كرة القدم كثيرة ومتنوعة، ومن أمثلتها تدريب اللاعبين على التحكم في الانفعال وإعدادهم نفسياً قبل المباريات الهامة، والرعاية النفسية للرياضيين في مختلف مراحل الضغوط النفسية التي يتعرض لها اللاعبون والمدربون والحكام في الملعب، وهذه مهمة نفسية بالدرجة الأولى حيث يتطلب الأمر الإعداد المسبق للأوقات العصيبة عند اللقاءات الرياضية المثيرة، وكيفية مواجهة الجمهور، وتجنب التأثر سلبياً بوسائل الإعلام عند النقد، أو التأثر بمواجهة الأضواء التي تتركز على الرياضيين بصورة كبيرة، والتدريب على التصرف السليم عند المنافسة مع الخصوم، وكذلك وقاية اللاعبين من الانحرافات التي تؤثر على مسيرتهم الرياضية.
والجوانب النفسية في رياضة كرة القدم لها أهمية خاصة بعد أن أصبحت هذه اللعبة واسعة الانتشار وتزايد الاهتمام بها بين الصغار والكبار من مختلف الثقافات والبلدان وعلى امتداد القارة الافريقية وبعد أن أصبح العالم كله بفعل وسائل الاتصال قرية صغيرة يمكن لكل شخص في أي مكان متابعة ما يجري في أي من بلدان العالم فإن حدثاً مثل المونديال (مسابقة كأس العالم) يمكن أن يكون موضوع الساعة الذي يقرب المسافات بين الناس من مختلف الشعوب، ويزيل الكثير من الحواجز فيما بينهم حين يجتمع الملايين في أنحاء مختلفة في نفس الوقت لمتابعة كل مباراة وهذا هو سحر الكرة التي توحد بين مشاعر الناس واهتمامهم بصورة لا يماثلها شيء آخر.

   
نرحب بك صديقاً دائماً لأمواج ونسعد بإرسال كل جديد إليك
ارسل بريدك الالكترونى
 
للحصول على الإصدرات السابقة من المجلة
 
يمكنك ان تقوم بالبحث فى كل اعداد المجلة
بـحــث مــتـقـدم
 

كرة القدم وحياتنا النفسية  

 كأس مصر فى السباحة

تكريم الشخصيات الرياضية


حقوق النشر محفوظة ( 1998-2006 ميلادية) مجلة أمواج سكندرية
التطوير و التنفيذ System Online & دار الصديقان للنشر والاعلان