

|
 |
 |
حوار مع
:
روائي الإسكندرية
محمد جبريل |
|
|
|
|
أجرى
الحوار : د . أحمد زياد محبك |
محمد جبريل روائي وقاص إسكندراني ، عاشق للإسكندرية، منها يستمد
معظم مواد رواياته، وعنها يكتب ، كأنه نذر لها قلمه وحياته، هي
في رواياته بريئة شفافة جميلة، أبطالها فيها يتحركون، وعبق بحرها
ينتشر في كل الأنحاء. و هو كاتب صحفي، يشرف على القسم الأدبي في
جريدة المساء، وله فيها زاوية يحررها كل يوم. وهو أخ كبير يلتقي
مساء كل خميس مع ثلة من الأدباء الشباب في ركن جميل من مبنى
نقابة الصحفيين بشارع عبد الخالق ثروت في قلب القاهرة، يستمع
إليهم ويرعاهم ويشجعهم، وفي بيته العامر يستقبل الصحب والأصدقاء
. وهو في كل آن وفي كل مكان سمح وكريم وطيب وبريء، يمزح كطفل،
ويتكلم عن خبرة وثقافة وسعة اطلاع، ويتحدث بذكاء وبحس نقدي حصيف،
تحس وأنت معه أنك أمام إنسان تعرفه منذ ألف عام، وأنه يعرفك
ويحبك.
كنت قد التقيت الروائي محمد جبريل في ندوة عن الرواية عقدت في
طرابلس بليبيا قبل ستة أعوام، ولم يكن لقاء عابراً، وأول قدومي
إلى القاهرة صيف عام 2002 اتصلت به فأسرع إلى زيارتي في شقتي
المستأجرة بالقاهرة هو وزوجته الأديبة الناقدة السيدة زينب
العسال، ثم دعاني إلى زيارته أنا وزوجتي في شقته الجميلة في شارع
سليمان عزمي، وغمرني بحبه وعطفه وهداياه، قدم إلي مجموعة مؤلفاته
الكاملة في الرواية والقصة والنقد، وقد تجاوزت الثلاثين، وتكررت
الزيارات واللقاءات، لابد من لقائه في الأسبوع مرة أو مرتين في
الأسبوع، ولا بد أن تمتد السهرة إلى ما بعد منتصف الليل.
وفي صيف القاهرة الجميل كان هذا اللقاء.
*أنت متهم بغزارة الإنتاج، فهل هذا صحيح، وما معنى الغزارة عندك؟
وكيف تحققت؟ وهل فيها تنوع في المواقف والرؤى والأساليب
والأنواع؟
** الغريب أن الذين يوجهون هذا الاتهام هم من أبناء جيلى . وجه
الغرابة أن ما أصدرته المطابع لهم يفوق ـ من حيث الكم ـ كل ما
أصدرته لى . والحق أنى أعتبر القيمة الفنية والموضوعية هى
المقياس الوحيد للعمل الإبداعى ، بصرف النظر عن غزارته أم قلته .
فقد صدر للصديق صنع الله إبراهيم من الروايات ـ على سبيل المثال
ـ ما لا يجاوز عدد أصابع اليد الواحدة . بينما صدر لأستاذنا نجيب
محفوظ ما يزيد على الأربعين رواية .. لكن إبداع كل من صنع الله
ومحفوظ يلتقى فى القيمة الفنية المؤكدة . ولا أريد أن أضرب أمثلة
أخرى حتى لا أتهم بالمجاملة أو بالتجنى ، وإن سهل علينا التعرف
على عشرات الأمثلة ..
إن محاسبة أى مبدع يجب أن تتجه لقيمة ما يكتبه وليس لكم ما يكتبه
. وأصارحك بأن ما يشغلنى من إبداعات أتوق لكتابتها يفوق كل ما
صدر لى حتى الآن ، فضلاً عن أن جهاز الحاسوب عندى ـ وليواصل
أصحاب الاتهام عجبهم ! ـ يضم تسع روايات أنهيتها وتنتظر الموعد
المناسب لنشرها ، إلى جانب الكثير من القصص القصيرة والمقالات
التى يسميها البعض نقداً ، وأسميها قراءة إيجابية .
وبالنسبة لبقية السؤال فإنى أكتفى بالإشارة إلى بعض ملامح مشروعى
الإبداعى مثل عفوية الكتابة الإبداعية ، ووجوب أن يعبر مجموع
المبدع عن رؤية شاملة ، أو فلسفة حياتية ، تتضمن مواقفه فى
المجتمع والسياسة والميتافيزيقا وعلم الجمال ، وكل ما يستند إلى
موهبة الأديب وثقافته وخبراته وتجاربه ..
ولعله يجدر بى أن أشير إلى عامل مهم ، لا يفطن إليه رواد مقاهى
وسط البلد وهواة الثرثرة ودعاة قتل الوقت ، فى حين أن الوقت هو
الذى يقتلنا ..
إنى أومن بجدوى النظام . إنه يكفل مضاعفة الوقت ، وإنجاز ما يصعب
إنجازه فى الفوضى والتكاسل ، وإرجاء ما ينبغى التوفر على إتمامه
.
* أنت صحفي، عملت في الصحافة طوال عمرك، وقد أخذت منك ثماني
سنوات ونصف من التفرغ لها في عمان، حيث أشرفت على صحيفة الوطن،
فكيف وفقت بين الصحافة والإبداع؟ وما أثر الصحافة في كتابتك
وحياتك؟
** سئل أرسكين كالدويل : هل العمل فى الصحافة يساعد أو يعوق
كتابة القصة القصيرة ؟.. أجاب : لا أعرف شخصاً واحداً أضرّ به
التمرين على الكتابة من أى نوع . ان الصحافة ، فضلاً عن أنها
تفيد فى التمرين الدائب على الكتابة ، فإنها تساعد أيضاً على
تكوين عادة الكتابة كل يوم . ان انتظار الوحى عذر قلّما تجده لدى
المؤلفين الذين تمرّسوا بالصحافة. وحتى الآن ، فإن جارثيا ماركيث
يحرص على العمل فى الصحافة ، ذلك لأن الصحافة ـ فى تقديره ـ
تحميه ، وتحرسه ، وتجعله متصلاً بالعالم الحقيقى . كانت الخبرات
الصحفية ـ باعتراف ماركيث ـ وراء العديد من أعماله الروائية ،
مثل قصة غريق ، حكاية موت معلن ، نبأ اختطاف . بل إن رائعته خريف
البطريرك استلهمها من تغطيته لوقائع محاكمة شعبية لجنرال أمريكى
لاتينى اتهم فى جرائم حرب ..
لقد تبلورت خططى القريبة فى ضرورة أن أظل فى عملى بالصحافة ،
باعتبارها المهنة الأقرب إلى الكتابة الأدبية ، وأن أحصل منها
على مورد يتيح لى تلبية احتياجات العيش ، فلا أنشغل بأعمال أخرى
تنتسب إلى الكتابة ، لكنها قد تصرفنى عن القراءة والكتابة ، وأن
ألزم نفسى بنظام ـ مثلى فيه أستاذنا نجيب محفوظ ـ يحرص على الجهد
والوقت . وأخيراً ، أن يكون لى بيت زوجية ، فلا تواجه مشاعرى
العاطفية ولا الحسية ما يمكن أن أسميه بالتسيب .
أذكر أنى مارست فى العمل الصحفى جميع أنواع الكتابة . كتبت الخبر
والتحقيق والمقال والدراسة . أهب كل نوع ما يحتاجه من مفردات
لغوية وصياغة وتقنية ، باعتبار القارئ الذى أتجه إليه فيما أكتب
. وبالتأكيد ، فإن كاتب التحقيق الصحفى يختلف عن كاتب المقال
الأدبى ، واللغة القصصية تختلف عن لغة الصحافة . يسّرت لى
الصحافة سبل اقتناء الكتب التى تعجز مواردى عن شرائها جميعاً .
فأنا أكتب فى صفحة أدبية . فى هذه الصفحة باب للكتب ، فأنا أكتب
عن كل كتاب يهديه صاحبه ـ أو ناشره ـ للجريدة ، ثم أحتفظ به
لنفسى . وأتاحت لى الصحافة مجالات ربما لم أكن أستطيع أن أقترب
منها فى الوظيفة العادية. سافرت إلى مدن وقرى داخل مصر وخارجها ،
والتقيت بشخصيات تمتد من قاعدة الهرم الاجتماعى إلى قمته ،
وبثقافات متباينة ، وإن لم يتح لى عملى فى الصحافة امتيازاً من
أى نوع . كانت جيرتى للشيخ بيصار شيخ الأزهر الأسبق ، ولوزير
سابق لا أذكر اسمه ، مبعث اعتزازى بأنى أجاور ناساً مهمين فى
غياب أصدقاء من السلطة . وحتى لا أبدو فى موضع سيئ الحظ ، فإنى
أعترف بحرصى على الوقوف فى الطابور ، فضلاً عن عدم ميلى إلى
مصادقة السلطة ، حتى لو تمثلت فى اكتفائى باجترار صداقات أتيح
لطرفها المقابل بلوغ مراكز متفوقة فى السلطة. وكان عملى الصحفى ،
الحياة فى الصحافة ، الأحداث والشخصيات التى تعرفت ـ بواسطتها ـ
إليها ، وراء العديد من أعمالى الروائية ، بداية من الأسوار ـ
روايتى الأولى ـ وانتهاء بأحدث ما كتبت شمس مسقط الباردة ،
مروراً بالنظر إلى أسفل وبوح الأسرار والخليج وغيرها . بل إن
الصحفى هو الشخصية الرئيسة فى هذه الأعمال ..
ولكن من المهم أن أشير إلى أن الصحافة قد ترضى بالكاتب قاصاً أو
روائياً أو شاعراً فى بعض الأحيان ، لكنها تريده صحفياً فى كل
الأحيان . إنها تريده كاتب مقال أو تحقيق أو خبر إلخ .. مما يتفق
وطبيعة العمل الصحفى الذى يعد الأدب ـ فى تقدير القيادات الصحفية
ـ جزءاً هامشياً فيه . أصارحك بأنى نشرت روايتى " قلعة الجبل "
فى الجريدة التى أعمل بها. نقلت المسودات على الآلة الكاتبة ،
وصورتها ، ونشرتها فى جريدتى ، فلم أتقاض فى ذلك كله مليماً
واحداً ، فى حين أن الزميل الذى يسبق الآخرين بخبر فى بضعة أسطر
، يتقاضى مكافأة تبلغ عشرات الجنيهات !..وهذا كله يعد انعكاساً
واضحاً ، ومفزعاً ، للنظرة إلى العمل الأدبى ، وقيمته ضمن مواد
العمل الصحفى ..
الفن ـ الرواية والقصة على وجه التحديد ـ عالمى الذى أوثره بكل
الود . أتمنى أن أخلص لهما ـ تجربة وقراءة ومحاولات للإبداع ـ
دون أن تشغلنى اهتمامات مغايرة . لكن الإبداع فى بلادنا لا يؤكل
عيشاً . ربما أتاحت رواية وحيدة فى الغرب لكاتبها أن يقضى بقية
حياته " مستوراً " ، أن يسافر ويعايش ويتأمل ويقرأ ويخلو إلى
قلمه وأوراقه دون خشية من الغد ، وما يضمره من احتمالات ، لكن
المقابل المحدد والمحدود الذى يتقاضاه المبدع فى بلادنا ثمنا
لعمله الأدبى يجعل التفرغ فنياً أمنية مستحيلة !.. من هنا كان
اختيارى ـ الأدق : لجوئى ـ إلى الصحافة ، فهى الأقرب إلى قدرات
الأديب واهتماماته ، وهمومه أيضاً .
ولعلى أذكر قول المازنى لأحد الأدباء الذين عابوا عليه وفرة
كتاباته : " ستقول إن المازنى كان بالأمس خيراً منه اليوم ، وإنه
ترك زمرة الأدباء ، وانضم إلى زمرة الصحفيين ، وإنه يكتب فى كل
مكان ، ويكتب فى كل شئ ، حتى أصبح تاجر مقالات ، تهمّه ملاحقة
السوق أكثر مما تهمّه جودة البضاعة .. أليس كذلك ؟.. ولكن لا تنس
أن الأديب فى بلدكم مجبر على أن يسلك هذا السبيل ليكسب عيشه وعيش
أولاده ، وليستطيع أن يحيا حياة كريمة تشعره بأنه إنسان " .
لذلك منيت النفس وأنا أرحب ـ متحسراً ـ بالسفر إلى سلطنة عمان
للإشراف على إصدار جريدة أسبوعية ـ تحولت إلى يومية فيما بعد ـ
بأن أدّخر فى الغربة ما يعيننى على الإخلاص للفن وحده ، لكن
الأمنية ظلت فى إطارها ، لا تجاوزه . وكان لابد أن أكتب فى
موضوعات تقترب من الفن أو تبعد عنه . وحتى لا أفقد ذاتى فى
سراديب مجهولة النهاية ، فقد فضلت أن تكون محاولاتى أقرب إلى ما
يشغلنى فى الفن ، وفى الحياة عموماً . وبصوت هامس ما أمكن فإن
مصر ـ الموطن واللحظة والماضى والمستقبل ـ هى الشخصية الأهم فى
كل محاولاتى الإبداعية . ذلك ما أحرص عليه ، وما لاحظه حتى
القارئ العادى . تعمدت أن تكون مصر : تاريخها ، وطبيعتها ،
وناسها ، ومعاناتها ، وطموحاتها ، نبض كتاباتى جميعاً . ما اتصل
منها بالصحافة ، وما لم يتصل ، ما اقترب من الأدب وما لم يقترب .
وكانت حصيلة ذلك كله ـ كما تعرف ـ عشرات الدراسات والمقالات التى
تتناول شئوناً وشجوناً مصرية بدءاً من كتابى " مصر فى قصص كتابها
المعاصرين " مروراً بـ " مصر من يريدها بسوء " و " قراءة فى
شخصيات مصرية " و " مصر المكان " إلخ .. وانتهاء بما قد يسعفنى
العمر بإنجازه ..
* أنت، مثقف واسع الاطلاع، تشهد على ذلك مؤلفاتك النقدية، فقد
كتبت عن مصر في قصص كتابها المعاصرين، ونلت عن هذا المؤلف جائزة
الدولة التشجيعية عام 1975 ، كما وضعت كتاباً عن نجيب محفوظ، فما
دافعك إلى الكتابة النقدية؟ وما جدواها بالنسبة إليك وأنت الكاتب
الروائي؟ وما أثرها في إبداعك الروائي؟
** ثمة حقيقة يجب أن نتفق عليها ، هى أن النقد الذى يقيس الزوايا
والأبعاد ، ثم يصدر أحكاماً ، ويدلل عليها ، ليس محتوى كتاباتى
التى تختلف عن إبداعاتى فى الرواية والقصة القصيرة ولا غايتها .
أنا لا أتخذ موقف الناقد الذى وصفه تشيكوف بأنه أشبه بذباب الخيل
الذى يعرقلها فى أثناء حرثها للأرض . إن الآراء التى أتوصل إليها
، هى من قبيل الاجتهادات الشخصية التى ربما كانت أخطاء محضة ..
القراءة حرفتى وهوايتى . وأنا أعتمد فى قراءتى لكل كتاب أن أثبت
أهم المعلومات التى يشتمل عليها ، وآرائى فى موضوعاته ، وأضيف
إليها حصيلة مناقشات مع صاحب الكتاب نفسه ، سواء فى موضوع الكتاب
، أم فى موضوعات يطرحها النقاش ، ويتكون من ذلك بطاقات تكفى
لإعداد كتاب ، أقبل على تأليفه بروح المبدع وليس الناقد . ومنذ
سنوات بعيدة ، تحدد عالمى فى جدران مكتبى . أفرغ للقراءة بامتداد
ساعات الصحو ، والكتابة الإبداعية يصعب ـ إن لم يكن من المستحيل
ـ أن تكون نبض عمل أيام متتالية . إنها تهد الحيل ، تجعلك فى
لحظات الإبداع ، وربما قبلها أو بعدها ، كأنك لست أنت ، كأنك
أثقلت بما لا تقوى على حمله .
* ما رؤيتك للرواية؟ وما مشروعك الروائي؟ هل ثمة تصور لديك عن
العالم؟ أو فلسفة ما تدافع عنها أو تدعو إليها؟ وما صلة ذلك
بحياتك الشخصية؟
** ما يغيب عن معظم إبداعنا العربى ، وأتصور أنه لابد أن يكون
بعداً أساسياً فى أى عمل روائى أو قصصى ، هو فلسفة الحياة .
والفلسفة التى أعنيها هى الرؤية الشاملة وليست الميتافيزيقا
وحدها . الميتافيزيقا بعد مهم ، لكنها جزء من أبعاد الحياة
الإنسانية جميعاً . تقول سيمون دى بوفوار : " إن الرواية
الفلسفية إذا ما قرئت بشرف ، وكتبت بشرف ، أتت بكشف للوجود لا
يمكن لأى نمط آخر فى التعبير أن يكون معادلاً له . إنها هى وحدها
التى تنجح فى إحياء ذلك المصير الذى هو مصيرنا ، والمدون فى
الزمن والأبدية فى آن واحد ، بكل ما فيه من وحدة حية وتناقض
جوهرى " .. مع ذلك فإن الرواية التى أعنيها هى التى تعبر عن
فلسفة الحياة ، وليست الفلسفة بالمعنى الميتافيزيقى .
إن الأدب غير الفلسفة ، لكنه ـ فى الوقت نفسه ـ تصور للعالم ،
يرتكز إلى درجة من الوعى ، وإن صدر عن العقل والخيال والعاطفة
والحواس . طريقة الفيلسوف هى التنظير والتحليل والإقناع والصدور
عن العقل ، والاتجاه كذلك إلى العقل . أما طريقة الأديب فهى
العاطفة والخيال والحواس ، والصدور عن ذلك كله إلى المقابل فى
الآخرين من خلال أدوات يمتلكها الأديب ، وتتعدد مسمياتها ،
كالتكنيك والتنامى الدرامى والحوار واللغة الموحية وإثارة الخيال
إلخ ..
والحق أنه ما من إبداع حقيقى يمكن أن يخلو ـ بدرجة ما ـ من فلسفة
ما ، وإن عاد الأمر ـ فى الدرجة الأولى ـ إلى مدى قدرة المبدع فى
بث الحياة عبر شرايين الفكرة الفلسفية المجردة . وكما يقول
شكسبير فليس المهم هو الأشياء ، المهم وجهة نظرنا عن الأشياء .
وأذكر بقول تين فى كتابه الأشهر " تاريخ الأدب الإنجليزى " : إن
وراء كل أدب فلسفة ..
وطبيعى أن نظرة الكاتب إلى الهموم التى تشغله ، موقفه الكامل
منها ، يصعب أن تعبر عنـه قصة واحدة أو قصتان ، لكننا نستطيع أن
نجد بانورامية نظرة الفنان فى مجموع أعماله، وفى كتاباته
وحواراته التى تناقش تلك الأعمال . أعمال كاتب ما يجب أن تشكل
وحدة عضوية ترتبط جزئياتها بأكثر من وشيجة ، لأن رؤية الفنان
لقضايا الإنسان الأساسية تبين عن ملامحها فى ثنايا أعماله .
التجربة الإبداعية ـ على تنوعها ـ تخضع لوجهة نظر شاملة، لفلسفة
حياة تحاول التكامل ، وإن استخدمت فى كل عمل ما يناسبه من تقنية
، والقارئ المتأمل يستطيع أن يتعرف إلى المبدع ، فى مجموع ما كتب
.
إن الأدب هو الأسبق دائماً فى النظرة ، فى محاولة استشراف آفاق
المستقبل . إنه يسبق فى ذلك حتى العلم نفسه . وكما يقول كافكا :
" فإن رسالة الكاتب هى أن يحول كل ما هو معزول ومحكوم عليه
بالموت إلى حياة لا نهائية . أن يحول ما هو مجرد مصادفة إلى ما
هو متفق مع القانون العام . إن رسالة الكاتب نبوية " . كانت
القيمة الأهم لإبداعات تولستوى هى الترديد المستمر للأفكار
العامة ، للنظرة الشاملة ، لفلسفة الحياة ، فى مجموع تلك الأعمال
. وكان ذلك هو الذى أعطى أعمال تولستوى ـ كما يقول أدينكوف ـ
تكاملاً وتماسكاً داخلياً . وكما يقول تولستوى ، فإن الكاتب الذى
لا يمتلك نظرة واضحة ، محددة وجديدة للعالم ، ويعتقد أن ذلك بلا
ضرورة ، لن يستطيع تقديم عمل فنى حقيقى . أما همنجواى فقد تمحورت
رؤيته الحياتية فى أن العالم قادر على تحطيم أى إنسان ، لكن
كثيرين يستعيدون قواهم ، وينهضون . والإنسان ـ فى فلسفة كامى
الحياتية ـ يكتشف عبثية الحياة ، لا معقوليتها ، وليس بوسعه إلاّ
أن يتحدى كل شئ فى هذا العالم . وباختصار ، فإنه لكى يحيا
الإنسان يجب عليه أن يبقى على شعور العبث فى داخله كى يستمد منه
طاقة التحدى اللازمة للبقاء ..
والأمثلة كثيرة ..
* للإسكندرية مكانة في نفسك وفي رواياتك، فما سر هذا العشق
للمكان والإنسان في الإسكندرية؟ وما رأيك بالإسكندرية نفسها
ماضياً وحاضراً؟ هل هي لديك ماض أو حاضر أو مستقبل؟
** حى بحرى بالإسكندرية ـ السيالة والأنفوشى ورأس التين ـ هو
الموطن الذى شهد طفولتى ونشأتى ، وهو المكان الذى تمنيت أن أكتب
عنه ، بكل ما يشتمل عليه من تمايز فى خصائص الحياة ، وسلوكياتها
..
إن صورة الحياة فى الأحياء الشعبية السكندرية لا تختلف كثيراً عن
صورة الحياة فى الأحياء الشعبية فى القاهرة والمدن المصرية
الأخرى .. لكن السمة الأهم لصورة الحياة فى بحرى هى الصلة بين
اليابسة والبحر .. البحر بكل ما يمثله من حكايات البحر والصيادين
والنوات والسفر إلى الموانى القريبة والبعيدة .. واليابسة بكل ما
تمثله من اعتماد على الحياة فى البحر ، بداية من حلقة السمك ،
وتواصلاً مع غلبة الروحانية ، والإيمان ببركات الأولياء ،
والحياة من رزق البحر سواء ببيع السمك ، أو العمل على السفن
الصغيرة والبواخر الضخمة..
على اليابسة مجتمع بحر بكل ما تعنيه الكلمة . ثمة صيادون وعمال
فى الميناء وبحارة وموظفون وشركات للملاحة والتصدير والاستيراد
..
حى بحرى هو أصل الإسكندرية . هو راقودة ، وفاروس ، والمساحة من
الأرض التى تشكلت منها ـ قبل التاريخ المكتوب ـ مدينة الإسكندرية
الحالية ..
وإذا كان الإسكندر المقدونى قد أطلق اسمه على المدينة القديمة ،
فإن ذلك لا يعنى غياب الحياة عن المدينة قبل أن يصل إليها ،
ويأمر مهندسه دينوقراطيس بالقول : أريد أن أبنى عاصمة ملكى هنا !
أراد أن يبنى عاصمة ملكه فى موقع مدينة كانت قائمة بالفعل ، وإن
أتاح لها التخطيط أن تتسع ، وتتطور ، وتصبح عاصمة العالم القديم
..
أزور بحرى بين كل فترة قصيرة وأخرى : المرسى أبو العباس وياقوت
العرش والبوصيرى وحلقة السمك وورش المراكب ومرسى الميناء الشرقية
وقلعة قايتباى والميادين والشوارع والأزقة التى تصنع جواً يفيض
بالروحانية ، من خلال الجوامع الكثيرة ، ومظاهر الحياة الدينية
بعامة .. ويفيض كذلك بالحس الشعبى الذى ظل على تماسكه ، وعلى
معتقداته وتقاليده ، وبالذات فى العقود التى دانت فيها المدينة
لسطوة الأجانب ، فتحولت إلى مدينة كوزموبالتينية بمئات الألوف من
الأجانب ، بينما افتقد العنصر الوطنى انتماءه إلى مدينته ..
* لك موقعك المتميز في خريطة الرواية العربية، وأنت تعرفه من غير
شك، فما رؤيتك للواقع الروائي في مصر وفي الوطن العربي؟ وما
تصورك لمستقبل الرواية؟ وكيف يمكن أن تتجه وإلى أين يمكن أن
تسير؟ ولا سيما في ضوء الروايات الجديدة كالرواية التاريخية
ورواية الحداثة وما بعد الحداثة؟
** أشكرك على رأيك فى شخصى الضعيف ، ورأيى أن الرواية تشهد الآن
ازدهاراً ملحوظاً على مستوى العالم العربى . ولا أكون مغالياً لو
قلت إن المكانة التى تحتلها الآن رواية أمريكا اللاتينية تستحقها
الرواية العربية كذلك . إنها إبداع متفوق بكل المقاييس . وحين
نال نجيب محفوظ جائزة نوبل فهو لم يكن ـ كما ادعت مستشرقة
أسبانية ـ واحة فى صحراء مجدبة ، إنما هو مبدع كبير ضمن حركة
إبداعية خصبة ومثمرة ، متصلة الحلقات والأجيال ، تجد بدايتها فى
قصة الأخوين الفرعونية ـ أول قصة فى التاريخ ـ وتتواصل مع عشرات
المعطيات فى التراث العربى ، وحتى زمننا الحالى الذى يطلق عليه
البعض تسمية زمن الرواية . وظنى أن هذا الازدهار الذى تحياه
الرواية سيظل صورة المستقبل . دليلى أن الرواية هى الجنس الأوفر
حظاً فى إبداعات الأجيال الحالية المختلفة . وقد طالعتنا ـ فى
الأعوام الأخيرة ـ أعمال روائية كتبها شعراء ونقاد وفنانون
تشكيليون .
أكرر : إن إبداعنا الحديث يتوازى فى القيمة مع إبداعات أمريكا
اللاتينية ، وهى الإبداعات التى تحتل الآن موضع الصدارة فى الأدب
العالمى . المشكلة ليست فى القيمة ، لكنها فى الثقة بالذات ، وفى
الاستراتيجية التى تحرص على تصدير ـ ومعذرة لرداءة التعبير ـ
الأفضل والأصلح ، وليس إبداع التربيطات والمجاملات والشللية ..
* لقد حققت الرواية العربية حضوراًً واضحاً، في معظم أقطار الوطن
العربي، وقدمت تقنيات فنية متطورة، كما واكبت تطور الواقع
العربي، فهل يمكن أن تصل الرواية العربية إلى مستوى العالمية؟
وأين يمكن أن تضع الرواية العربية في خريطة الرواية العالمية؟
** بالمناسبة : متى ، وكيف ، يكون للإنتاج الثقافى العربى موقعه
المتميز على خريطة الإنتاج الثقافى العالمى ؟ للأسف ، نحن نقصر
الإبداع العالمى على ما تنتجه أوروبا والولايات المتحدة .
والصورة الحقيقية تختلف عن ذلك تماماً . إن الإبداع العالمى فى
أعلى مستوياته نتابعه فى إبداعات أمريكا اللاتينية وآسيا
وإفريقيا ، وفى شرقنا العربى .. لكننا ـ كما أشرت ـ ندين بأحادية
النظرة . ما يأتى من الغرب وحده هو الذى يسر القلب . وقد استطاعت
أمريكا اللاتينية أن تتخلص من طغيان المنتج الثقافى الأمريكى ،
ليس فى الرواية والقصة القصيرة فحسب ، وإنما فى السينما والمسرح
والفن التشكيلى وغيرها من الأجناس الأدبية
البعض يؤثر الاتكال على منجزات الثقافة الغربية باعتبارها
التعبير الصحيح عن الثقافة العالمية بعامة . فى إهمال ـ عفوى أو
متعمد ـ لثقافات أكثر تفوقاً ، وأكثر تعبيراً عن الهم الإنسانى
فى أمريكا اللاتينية وآسيا ولإفريقيا ، فضلاً عن ثقافة المنطقة
العربية بكل ما يميزها من خصائص ، وهى تؤثر فى الثقافات الأخرى
وتتأثر بها ، ليشكل مجموع الثقافات ما يمكن تسميته بالثقافة
العالمية . واعتبار الثقافة الغربية هى الثقافة العالمية خطأ
معيب ، نملك تصويبه بالترجمة عن آداب العالم دون لغة وسيطة ،
والتعرف على فنون العالم وفكره وإبداعاته ، فلا يقتصر ذلك على
لغة بالذات ، ولا مناطق فى العالم بعينها . وفى المقابل ، فإن
منتجنا الثقافى يجب أن يتجه إلى كل العالم باعتباره تعبيراً عن
ثقافة مميزة ، هى جزء من الثقافة العالمية ككل .
الثقة بالذات ، والإبداع الذى يصدر عن الذات ، والذى يستند إلى
التراث ، ويفيد من تيارات العصر ، هو تجربتنا المطلوبة ، الوحيدة
..
وأن يكون للإنتاج الثقافى العربى موقع متميز على خريطة الإنتاج
الثقافى العالمى ، فهذا هو ما يطمح إليه كل المبدعين والمثقفين
العرب . وهو طموح ينطلق من مشروعية مؤكدة .
والحق أن موضع الإبداعات العربية على خريطة الثقافة العالمية لا
يجاوز بالنسبة للمبدعين العرب ـ حتى الآن ـ الطموح أو الأمنية .
أما الموضع الفعلى ، المكانة التى يستحقها بالفعل ، فذلك ما يخضع
لاعتبارات عديدة ، فى مقدمتها الاعتبارات السياسية ، بحيث يمكن
القول ـ ببساطة ـ أن الخريطة الإبداعية العالمية تحتاج إلى
مراجعة شديدة ، تحرص على التأمل والمناقشة ، ومحاولة التوصل إلى
الصورة الصادقة ..
* الرواية العربية هي بشكل ما تعبير عن الواقع العربي، وهو واقع
مؤلم، يعاني من إحباطات كبيرة وكثيرة، ومن توقعات إجهاض حضاري
ومعرفي ، فما رؤيتك للواقع العربي وللمستقبل العربي، وأنت من
مثقفي العصر وشاهد عليه؟ هل تحلم مثلاً بكتابة رواية تعبر عن هذه
الرؤية المستقبلية؟
** من الأعمال التى أتممت كتابتها رواية عن أعوام الوحدة بين مصر
وسورية من خلال بنسيون يسكن فيه طلبة من أقطار عربية مختلفة .
لقد حاولت فيها أن أعبر عن رؤيتى لأحوال أمتنا العربية ، من خلال
رؤية لا تنظر إلى الكوب نصف الممتلئ ، ولا الكوب نصف الفارغ ،
إنما هى رؤية تستند إلى معايشة حقيقية ومتابعة . والمقولة التى
ربما تعبر عنها هذه الرواية أن مشكلة الوطن العربى هى عدم
المشاركة السياسية من مواطنيه ، ومثقفيه بخاصة ، مما يفضى إلى
غياب الانتماء والمثل الأعلى والمشاركة ، وغلبة الإحساس الفردى
أو الإحساس القبلى الذى لا يطمئن إلى القومية ، وتحول
الديمقراطية إلى أمنية نتحدث عن تطلعنا إليها ، لكن الطريق
الحقيقية إليها مسدودة بالعديد من العوائق ، وجميعها من صنع
الحكام ، ولا أزيد حتى لا يدفع السائل ثمن صراحتى .
إن مشاركة المواطن فى صياغة واقع وطنه ومستقبله ، سيبدل الصورة
تماماً ، بحيث يصبح المواطن مواطناً وليس رعية !
* ما رأيك فى المعوقات التى يواجهها الكتاب العربى ، ووسائل
انتقاله بين أقطار الوطن العربى المختلفة ؟
** المعوقات كثيرة ، أهمها غياب الديمقراطية والحرية وغيرها من
الأبعاد التى تعد ضرورة للإبداع . ثم الخلط بين الثقافة والإعلام
، وربما الإعلان ، والنظرة المتدنية إلى الكلمة قياساً إلى
الوسائل الأدائية الأخرى . ولعلى أشير إلى اللامقابل الذى
يتقاضاه المثقف المتحدث فى وسائل الإعلام يتقاضى هو هذا المقابل
. فضلاً عن وجوب تحرير قوانين النشر والاستيراد والتصدير من كل
المعوقات التى تواجهها صناعة ، بينما يتقاضى معلق كرة القدم فى
مباراة واحدة بضعة آلاف من الجنيهات . كذلك فإن النظرة إلى
الكتاب يجب أن تتبدل تماماً ، بحيث تنعكس تلك النظرة على قوانين
النشر والتصدير ، فلا يدفع المبدع مقابلاً لنشر كتبه ، بدلاً من
أن يتقاضى ثمن الكتاب ..
* للمرأة مكانة متميزة في رواياتك، وفي حياتك، ونخص بالذكر
الزوجة الوفية السيدة زينب العسال، وهي أديبة وناقدة وباحثة، لها
حضورها في الساحة الأدبية، فما دور السيدة زينب العسال في حياتك
وفي أدبك؟ وما دورك أيضاً في أدبها وحياتها؟
** لزينب العسال فى حياتى أدوار متعددة ، فهى صديقة وزوجة وناقدة
لأعمالى قبل أن أدفع بها إلى المطبعة . ولأنها أخذت نفسها بصرامة
من حيث الدراسة والممارسة ، فنالت العديد من الدبلومات ، كما
حصلت على درجة الماجستير ، وتعد الآن رسالة الدكتوراه ، ونشرت
العديد من الدراسات فى الصحف والدوريات .. لذلك كله فإنى لم أعد
أتابع زينب فى المؤتمرات والندوات التى تشارك فيها . غاب قلق
الأعوام الأولى ، وتحريضى لها على أن تصبح واحدة من أهم ناقداتنا
، فذلك ما حدث بالفعل .
إن دورى فى حياة زينب العسال الآن يقتصر على قراءة ما تكتبه ،
وإبداء الملاحظات التى لا ألح فى أن تعمل بها ، فمن المهم أن
تكون لها وجهة نظر ، وأن تعبر عنها ، وأن تحتمل ـ فى الوقت نفسه
ـ نتائج ما تكتب !
* في نهاية هذا الحوار أود أن أسألك، ماذا تقول للشباب؟ جيل
المستقبل، وحاملي الأمانة، والأمل؟
* ماذا أقول للشباب ؟ أترك لك الرد على هذا السؤال ، فقد رأيت
ندوتي الأسبوعية فى مقر نقابة الصحفيين، وشاركت فيها، ولك فيها
رأى .
* يسعدني أن أقدم شهادتي في ندوتك، فقد رأيتك ترعى الأدباء
الشباب وتشجعهم وتصغي إليهم باهتمام كبير، وتترك لهم حرية
التعبير والنقد، ضمن معايير الاحترام والتهذيب والتقدير، ورأيت
لديهم حساً نقدياً متطوراً فهم يدركون مسؤولية الأديب عن التجديد
ومواكبة العصر في التقنية والبناء وفي الهموم والمشكلات، ويرفضون
الاجترار والتقليد، وأنت تشجعهم، وتؤيدهم، ولا تصادر آراءهم،
ولمست لديهم عطاء إبداعياً يرقى في كثير من الحالات إلى مستوى
رفيع جدير بالاهتمام، ومما لاشك فيه أن أسماء لامعة لأدباء سوف
تظهر من خلال ندوتك، إن لم يكن بعضها قد ظهر فعلاً وحقق حضوره
الأدبي المتميز، ولا شك في أنك تقول للشباب أهلاً بكم وأنا معكم
والمستقبل لكم ، ولكنك أذهلتني، فقد حولتني في النهاية من سائل
إلى مجيب، ومن محاور إلى متحدث .
|
|
|
|
|