مختارات من ديوان "شجرة الخمول"
وقصائد أخرى للورانس داريل
Lawrence Durrell
أصيص الورود
يقول شاعرك الإسكندري:
"الربيع زمن انبعاث الورود"
الآن وهنا في هذه المقهى القديمة الرثة
بجوار السور البحري
حيث شعر أناس كثيرون مثلنا
بقوة الحياة المليئة بالثأر
والورود مصادة بكؤوس صفيحية زرق
فكرت بك في مكان ما بين الأصص
ورود أخرى بلاها أدبنا
أقامت حبا سريع الزوال
أو حصة الشاعر
وردة سوداء، سوداء
اندفعت إلى حضن الحب العاجز
أو سقطت من طية صدر سترة
إنها وردة ناد ليلي
يلزم أكثر من هذا الخيال الفجائي
لأطلبها لك من الزمن
لأجعلها كثيفة وخصيبة
كي لا يغطيها الثلج
أو ترحل تحت زجاج إلى مصحة كبيرة
ومثل طعنة المرض
توردت وجوه بجوار إناء رجل ميت
كلا ينبغي لك أن تلتقطي
وردة واحدة من قصيدة
مكتوبة بفرشاة برقة الصورة الخالدة للحب
تلك التي نطاردها عن الكّتاب
الآن وا أسفاه
انتهت الكتابة والورود تقريبا يا ميليزا
من الذي يتذكر فيما بعد
انبعاث ربيعها في وعود مصانة
أو حتى الأرض الحقيقية لاختلاقها
في قلب ما جاف أو بئر من مداد ؟!
جنيات البحر
تظهر جزر جنيات البحر مرتجفة
مخلفة ورد الخزامي ورودا مصهوراً
عاكسة في كهوف أشرعتنا البيض
رؤوسا مطربة من الهوى والرعب
حيث تكون الآن وجوه المغنيات على السفينة
يبدأ الغناء الجريح، والقاسي، الشهير
يراقب يولسيس مثل العديدين
منذ أن أصبح بطلا
يفكر: "الرحلات والحرمان !"
البحر الفظ الذي ابتلع حبنا
يستلقي ساكنا تحت سماء من أزهار الليلك
بعيدة عن أوطاننا
تلك الأرض التي طال شوقنا إليها
بحق الآله ! "جنيات البحر اخترن وقتهن"
ينبغي لكل شاعر وبطل أن يواجههن
المغريات المتألقات اللواتي يبعثن الحيرة فيه
العقاب الذي يبحث عنه كرهينة
هوميروس وميلتون
كان كلاهما معاقبا بموهبته
رسائل في الظلام
19 شباط 1952
ينصرف الكثير من المستهزئين بالمبادئ
يحاولون ألا يسمعوا القصابين
المناقضين للمبادئ
في خمر الأفكار
نحن الذين نراقب الذين يتعذبون
ونحن الذين نثق بالذين يكذبون
إنهم يجرون ويقضمون
فروع كرمة العنب المضطربة
يا ديونيسيوس
إن جسدنا يسمو ذات مرة
استبدل نظام الشهوة الجشع
بكل ما يستطيع الحب المتراكم أن يخلفه
نجمة تتوارى في جسد بلا شهوة
في غرفة نوم مخيفة استؤجرت لليلة واحدة
9 كانون الثاني 1953
تخيل أننا الأحياء الذين يسكنون
في مكاتب متجمدة في مدينة شتائية
حيث يكون الباحث المؤسس اليومي
في ترفع أنفسنا منعكسا
في طرق الآخرين المعقدة للموت
هنا لا الطامعون ولا الزجاج
يستطيع أن يدفئ
الغبار الصحي للحرارة المركزية
والهواء الرطب مثل كماّدة
ترطب مخاوف الحي الذي تولد فكرته
هنا نطعم، مثلما يطعم السجناء
العناكب مهمة للإدراك
كما كان يروك
حركات متمرغة عظيمة تحفظ في قنان
تحت السطح المدني للعقل
النهش والتأرجح فوق أنسجة الاستسلام
الذي بلا دموع
الذي أحضر مع النوم
البعض يملك ما أملك
ضغط ذهبي صامت للعيون
يوجهه إنسان موجع بعمق
عارف بعمق
حقا على الرغم من أننا لم نتحدث
فقد ختمنا الماضي
وكل منا في حياة مختلفة
تنازع إحداها الأخرى
نحمل رؤوسا
كالرؤوس الرخامية القديمة
التي عليها آثار حبال
أنزلوها علينا
نتحدث عن هموم الزمن
سكين المشاعر في فن الحب
12 كانون الثاني 1953
وها نحن أخيرا
نصل إلى سنوات الكاتب الوسطى
ومع ذلك الأصعب على التحمل
سيتفق الكل على ذلك
لأنها تمر الآن،
إنه يكثف ويشذب ويحاول
أن ينظم التجارب
التي ابتلعها في شبابه
الآن كل تجعّد مكتسب هبة
كل شعرة رمادية ضرائب
الآن بزواج القبل القديمة بالجديدة
وفي أجساد متعلمات شابات
يلقي بذكورته
مثل الخشب ليسهل فقط
وزن حسراتهن على شبابهن
وشبابه المهجور
وفي نعاس الجماع
يصيد لقاح الشباب
من الشفاه والألسن
لينفض التراب عن رخصة فنه
لا تستطيع أن تخمن
كيف كان ينتظر هذه السنوات
سنوات الصراع المرعبة والناضجة
مع معرفة مسبقة وهادئة لمضارع
عن النضوج الميت
ربما يواجه موتا جماعيا بالضرب
أو تحطيما كبيرا في وسط عقله
العالم كله
تتوهج حماه البطولية
بكل الشكوك المظلمة لنوبة المرض
أما الآن حتى الخوف
لا يستطيع أن يعري الجسد
والإرادة
وتدرب من أجل النزاع الممهد له،
مغزى بوعد أكاليل غار بلده
هكذا رتب نفسه
ويتهيأ الآن للموت لأول مرة
وأخيرا يشعر بأنه
تدرب من أجل الحياة الثانية.
-------
هامش
هذه قصائد مختارة من ديوان "شجرة الخمول وقصائد أخرى"، وهو ديوان للشاعر والكاتب لورانس داريل وعنوان الكتاب مأخوذ من اسم الشجرة التي تنتصب في خارج ديربيلا بيكس في قبرص تمنح هبة الخمول الصافي لكل من يجلس تحتها. عن:
The Tree Of Idleness and other Poems by Lawrence Durrell Faber and Faber Ltd.