|
يعد عبد الله النديم الإدريسى نموذجاً فريدا
من نماذج الشخصيات فى تاريخ مصر الحديث التى اضطلعت بالمسئوليات الملقاة على عاتقها
فى فترة الثورة العرابية، والنهضة الأدبية والبعث الاجتماعى لمصر فى تلك الفترة
فكان خطيب الثورة ولسان حالها، ولكنه اضطر إلى الاختفاء بعد فشلها ثم ألقى القبض
عليه ونفى خارج مصر.
عبد الله النديم فى فترة الاستخفاء:
كان عرابى قد فكر هو ورفاقه -بعد فشل الثورة العرابية- فى طلب العفو من الخديو،
وكتبو إليه رسالة ضمنوها رغبتهم وأرسلوها إليه فى الإسكندرية مع وفد منهم ثم عدلوا
من صيغة الرسالة الأولى فى رسالة ثانية أرسلوها مع عبد الله النديم ليسلمها للخديوى
ولكنه عندما وصل إلى كفر الدوار علم أن الخديوى رفض العريضة الأولى وأمر بالقبض على
بعض أعضاء الوفد الذى تقدم بها فلم يكمل النديم سيره إلى الإسكندرية وارتد عائداً
إلى القاهرة بعد أن أيقن بخطورة موقفه وأن الهلاك قريب منه، وخطط للهرب والاستخفاء
ولم يضيع الوقت فى هذا الأمر فما هو إلا "فص ملح وداب" ونشطت الحكومة فى البحث عنه
ولكن دون جدوى ولما يئست من البحث عنه أعلنت عن مكافأة لم تأت بالنتيجة المرجوة
منها، لأن الذين أووه عرفوا مقدار التضحية فى سبيل تقديمها فى من بث فى قلوبهم
هذا الحس الوطنى الجارف وظل النديم مختبئاً لمدة عشر سنوات معتمداً على ذكائه وحيله
المحكمة ومهارته فى التخفى، ولما فشلت الحكومة فى القبض عليه اضطرت إلى محاكمته
غيابياً وإصدار حكم غيابى ضده بالنفى المؤبد إلى خارج مصر.
وكان أول استخفاء لعبد الله النديم فى بولاق التى ذهب إليها ليخفى بها أياماً عند
صديق له حتى يخف الطلب عليه وكان يخرج لابساً "زعبوطاً" أحمر ومتعمماً بعمامة حمراء
رابطاً عينه بمنديل، مطيلاً لحيته حتى أيقن الجميع أنه أحد مشايخ الطرق الصوفية،
وزيادة فى الحيطة والحذر -حتى لا ينكشف أمره- كان النديم يتعمد تصنع الفزع لكى يخيف
خادمه فيبالغ فى التستر وكتم أمر سيده مما أراح نفس النديم من جهة خادمه الذى لازمه
طوال فترة الاستخفاء.
وكان النديم قد أمضى فترة تخفيه التى بلغت عقداً من الزمان خارج القاهرة حيث قضى
معظمها فى قرى مديرية الغربية فتنقل خلال تلك الفترة فى البلاد متنكرا يدخل كل بلد
بلباس مخصوص، ويتكلم فى كل منها بلسان يوافق الدعوة التى يتبعونها، فكان يدعى أنه
مغربى أو يمنى أو شرقاوى، أو فيومى أو نجدى، وتبعاً لذلك كان يغير من شكل لحيته حسب الدعوى
التى يدعيها، فيطيلها عندما يدعى المشيخة، ويقصرها عندما يدعى أنه سائح، كما كان
يغير من لونها فى كل بلد يذهب إليه، فهى تارة بيضاء وأخرى حمراء وثالثة سوداء ولم
يقتصر الأمر على تغيير الشكل والمظهر لينجح فى الاستخفاء بل كان يغير اسمه كذلك،
فتارة يكون الشيخ يوسف المدنى، وأخرى الشيخ محمد الفيومى وثالثة الشيخ على المغربى،
وفضلاً عن كل ذلك ولمبالغة فى الاستخفاء فقد كان يثير عجب الناس عندما يلتقى بهم
ويتشبهون عليه فيقولون "سبحان الله جل من لا شبيه له"
وكانت هناك بعض العوامل التى ساعدت النديم على الاستخفاء منها مهارته فى حيله،
وإتقانه لما يدعى فإذا أدعى أنه مغربى تكلم اللهجة المغربية بإتقان، وإذا ادعى انه
مدنى أحكم لهجتها، وإذا ادعى أنه يمنى أتقن لهجتها واستمر على ذلك الحال وهو بارع
فى حيله حتى ذاع صيته وبلغت شهرته القاهرة حتى أن رياض باشا أرسل إلى سعد زغلول فى
"القرشية" ليسأله عن مثل ورد ذكره فى بعض الجرائد ولم يفهم معناه فقابله النديم على
أنه عالم يمنى وإمعاناً فى التخفى -حين رأى جدّ الحكومة فى طلبه- استعان النديم
برجل فرنسى ليشيع عن هروبه إلى "ليفورنو" بإيطاليا ونقلت جريدة الأهرام هذا الخبر
فصدقه الناس ونتج عن ذلك أن الحكومة وجهت لومها إلى رجال الضبط لإهمالهم فى القبض
عليه وأدى ذلك إلى أن خف عنه الطلب برغم أنه كان خدعة حيث كانت جواسيس الحكومة تبحث
عنه فى كل مكان، فكتبت جريدة المحروسة عن هروبه للخارج. ومن الجدير بالذكر أنه برغم
إمعان الندم فى التخفى إلا أن بعض رجال الضبط المتعاطفين معه تعرفوا عليه، فذات مرة
التقى به أحد رجال الضبط من الشراكسة وكان يشغل وظيفة مأمور مركز وعرفه ذلك الرجل
فأمر جنده بالانصراف ثم اختلى به وأخبره أنه عرفه برغم تنكره ثم أعطاه ما معه من
نقود ورسم له خطة السير حتى لا يقع فى أيدى رجال الضبط.
وكان النديم فى بداية فترة الاستخفاء شديد الحنين لأبيه وأمه وأخيه، ولا يعرف ما آل
إليه أمرهم، كما كان شديد الشوق إلى كتبه ومؤلفاته التى تركها فى منزل الأسرة
بالإسكندرية قبل الهروب، ومن فرط شوقه إليهم طالب صديقه الفرنسى أن يتحسس الأمر
ويأتيه بالأخبار، وبعد التقصى أبلغه صديقه أن أسرته قد شتت فى البلاد وتنكر الناس
لهم، ووضعت الحكومة العيون من حولهم وعلم أن أباه يقيم عند أقاربه فى الريف، وأن
مؤلفاته قد فقدت حيث إن والده كان قد اصطحبها معه فى أثناء هجرته من الإسكندرية بعد
ضربها ووضعها فى صناديق كبيرة وشحنها بالقطار، ولكن عندما وصل القطار إلى كفر
الزيات ازدحم عليه المسافرون فلم يجد رجال المحطة بداً من إلقاء صناديق الكتب فى
النيل حتى تتسع العربة للركاب وبذا ضاعت مؤلفات النديم التى أنفق عليها تسعة عشر
عاماً من عمره بين القراءة والتفكير والتأليف.
ومما تجدر الإشارة إليه أن النديم كان يتصل بأبيه وأخيه اتصالاً منتظماً بعدما هدأت
الأحوال قليلاً وخفت الطلب عليه كما كان باراً بخادمه الذى رافقه طوال فترة
الاستخفاء وكان أميناً على سره، ولذا كان النديم رحيماً به فغير اسمه من حسين إلى
صالح حتى لا ينكشف أمره ثم زوجه وعلمه القراءة والكتابة وحفظه بعض سور القرآن
الكريم وعلمه الفقه والتوحيد واتخذه خليلاً طوال فترة الاستخفاء.
وبرغم شدة الأزمات التى واجهت النديم طوال فترة استخفاء إلا أنه لم يستكن لها، فكان
كلما انفرجت إحدى أزماته ووجد شيئاً من الفراغ شغل نفسه بالدراسة والتأليف فكان إذا
اطمأن فى قرية قرأ كل ما تصل إليه يده من الكتب وكانت مكتبته خلال فترة الاستخفاء
خفيفة يسهل حملها إذا ما دعا داعى الرحيل حيث كانت على تفسير القرآن لأبى السعود،
قاموس الفيروز أبادى، والوافى فى المسألة الشرفية لأمين شميل، وجغرافية ملطبرون
-ترجمة رفاعة الطهطاوى- وكان يستغل وقت فراغه فى التأليف فيما يعن له فى الدين
والتاريخ، وقد استطاع النديم أن يكتب فى فترة الاستخفاء عشرين مؤلفاً فضلاً عن شغل
نهاره بتحرير الجورنال وقضاء ليلة فى دراسة الأحوال والاشتغال بمجالس الجمعيات
الخيرية ومدارسها التعليمية.
وقد تمكن عبد الله النديم خلال فترة الاستخفاء أن ينشر ملحقاً لمجلة "الأستاذ" وكان
ذلك عبارة عن صفحات من كتاب ألفه وهو فى المخبأ أسماه "كان ويكون" وهدف من تدوينه
إلى عرض خلاصة أفكاره فى الدين واللغة والسياسة والأدب ملتزماً فيه بحرية الفكر مع
عدم التعصب لدين أو لجنس وكان النديم قد وضع الكتاب على نمط قصصى، دون فيه كل ما كان
يدور بينه وبين صديقه الفرنسى من حديث وجدل وكان معظم ما نشر به عن أصول الأديان
وتاريخ اليهودية والمسيحية والإسلام فضلاً عن بعض أخباره فى مخبئه، وبعض نظرات
سياسية، وكان ما نشر فى هذا الكتاب يدل على بعد نظر مؤلفه وكثرة إطلاعه وسماحته
الدينية، وشدة حبه لمصر وشعبها.
وبرغم مبالغة النديم فى الاستخفاء والتنكر إلا أن أمره كشف بعد عشر سنوات من
الاختفاء والتنقل بين قرى مديرية الغربية حيث ألقى القبض عليه فى شهر نوفمبر 1891م
عندما نزل بقرية الجميزة وعرفه عمدتها وكتم أمره لكن رجلاً يدعى حسن الفرارجى كان
جندياً سابقاً ثم استخدم جاسوساً عرفه، فكتب إلى السراى وإلى الداخلية التى أمرت
بالقبض عليه وذهب وكيل حكمدار الغربية ومعه قوة من الجند فالتفوا حول القرية، وحاول
النديم الهرب ولكن الحيل لم تسعفه فاضطر إلى تسليم نفسه، ومن حسن حظه أنهم لم
ينتبهوا إلى أوراقه التى كان فى بعضها هجاء مر للخديو توفيق لو اطلعوا عليه لتغير
مجرى حياته، وبعد القبض عليه أرسل إلى طنطا للتحقيق معه، وكان وكيل النيابة الذى كلف بالتحقيق معه وقتئذ هو قاسم بك أمين
الذى أحسن معاملته، وأمر بتنظيف مكانه فى السجن وإضاءته والسماح له بشرب القهوة
والدخان، وأعطاه نقوداً من جيبه، وانصب التحقيق معه حول معرفة من آواه، وهل كانوا
يعرفونه أو لا؟ ولكن النديم أنكر أن يكون أحد ممن آواه يعرف حقيقته وبعد الانتهاء
من التحقيق صدر أمر الخديو توفيق بالعفو عنه وإبعاده خارج مصر فاختار يافا ونزل بها
أوائل عام 1892.
* من كتاب "عبد الله
النديم.. قراءات وأبحاث" الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة (بتصرف)
|