تســـحب إســرائيل الميــاه من ثلاثة مصادر طبيعية رئيسية، هي :
( أ ) - الطبقة الحاملة للمياه، أو الخزان الجوفي، بالساحل الغربي.
( ب ) - الطبقة الحاملة للمياه، أو الخزان الجوفي الشرقي، في المرتفعات الشرقية، بالضفة الغربية لنهر الأردن.
( ج ) - بحيرة "طبرية" ، وتمثل نسبة تتراوح بين 25 إلى 30 بالمائة من موارد إسرائيل المائية.
وقد كان على هذه المصادر أن تفي بقدرة إنتاجية تتراوح بين 1600 و 2100 مليون متر مكعب، سنوياً. وكان تقدير هذه الكمية قائماً على أساس أن متوسط الاستهلاك السنوي للفرد الواحد يبلغ مائة متر مكعب( ينخفض إلى ثلاثين، أو أقل، في أراضي السلطة الفلسطينية، بالضفة الغربية وقطاع غزة)؛ ومع الأخذ في الاعتبار توفير المياه لعدد يساوي أربعة أضعاف السكان الأصليين، تحسُّــــباً لعمليات الاستيطان المستمرة، وأن يخصص جزء من هذه المياه، يكفي لري الأراضي الزراعية في إسرائيل، ومساحتها 400 ألف هكتار، أو أكثر قليلاً.
ويرى بعض الخبراء أن المصادر قاصرة عن الوفاء بالالتزامات المائية المقررة، وأن ثمة أزمة تتبدى ملامحها، بل إنها واقعة بالفعل، وهي خانقة، بالرغم من أن النظام الإسرائيلي لاستغلال المياه يُعَـدُّ واحداً من أفضل نظم الميــاه العالمية تكاملاً، وأكثرها تقدماً وتعقيداً.
وثمة حقيقة يجب ألاَّ تفوتنا، وهي أن معظم موارد المياه التي تضع إسرائيل يدها عليها حالياً، موارد عربية؛ فمياه الضفة الغربية تمثل حوالي 40 % من مجموع استهلاك إسرائيل، التي تسرق - أيضاً - حوالي مليار متر مكعب من مياه الجولان، بالإضافة إلى أنها تمكنت من تحويل روافد الأنهار التي تنبع من جبل الشيخ في جنوب لبنان، وتحويل مجرى نهر الليطاني إلى نهر الحصباني، عن طريق شق نفق، يوفر لها كمية إضافية من المياه، قدرها 500 مليون متر مكعب. ولا تكف إسرائيل عن التشوُّق إلى مياه النيل، ولا تمل من الحلم بالحصول على جانب منها، ينقل إليها عبر قطاع غزة وصحراء النقب.
ويقول خبير المياه الإسرائيلي " مناحم بنيـامـي "، أن أنظمـة الميــاه الإســرائيلية تعاني، منذ بداية العقد الأخير من القرن العشرين، عجزاً قدره 1500 مليون متر مكعب من المياه؛ وكانت إسرائيل تأمل في إيجاد حلول لتعويض هذا العجز، وأن تسهم الطبيعة في حل المشكلة، ولكن الرياح لم تأت بالمشــتهى من الســحب الممطــرة؛ فقد بدأ موســم الأمطــار 90 / 1991 بدايةً ســــيِّئة، ولم يسقط في القطاع الشمالي إلا 30 % من متوسط المعتــاد من ميــاه الأمطـــار، أما في الوســط والجنوب، فقد انخفض المتحصَّــل من مياه الأمطــار إلى 10% فقط من المعــدَّل الســنوي. وقالت أجهزة الأرصاد الجوية الإسرائيلية إن تلك البداية المتواضعة تعني أن الموسم بكامله سيكون شحيحاً، مما يعني سنة جافة جديدة.
وقد صاحب ذلك أن الطبقة الحاملة للميـــــــاه الجوفية في المنطقة الســـــاحلية ( الخزان الجوفي الساحلي)، وتعد من أهم مصادر المياه الطبيعية في إسرائيل، قد تعرَّض محتواها لنقص شديد، منذ خريف 1990 ؛ وفي الوقت ذاته، انخفض منسوب الماء في بحيرة (طبرية) إلى مستوى غير مسبوق، حتى وصل إلى ( الخط الأحمر )، وهو القيمة السالبة للارتفاع 213 درجة !
وعلى نحو عام، يتوقع الإسرائيليون أن يحلَّ الجفاف من وقت لآخر، إذ تمرُّ بهم تلك الظروف في دورات زمنية تكاد أن تكون محددة؛ كما تكشف الدراسات الهيدرولوجية والمناخية، ذات الطابع التاريخي، عن تغيرات مناخية مؤثِّـرة، دام بعضها لعشرات السنين.
وبينما يعتري التقلب أحوال المناخ، ويؤثر بالسلب على كمية الأمطار، فإن معدلات استهلاك الإسرائيليين للمياه في تزايد مستمر، نتيجة للزيادة في عدد السكان، ولتزايد طلب الأنشطة الصناعية على المياه، ولتكثيف النشاط الزراعي في إسرائيل.
وقد أدت الأزمــة الخانقة بأحــد وزراء الزراعة الإسرائيــليين، هو ( رافاييل إيتان )، إلى توجيه انتقادات عصبية شديدة إلى المسئولين عن إدارة النظام المائي في وزارته، لاختلافهم حول الإجراءات والسياسات المطلوبة لبلد مثل إسرائيل، مناخه جاف؛ وكان يجب عليهم وضع خطط وتبني مشروعات تضع في حسبانها أسوأ الظروف. وأعلن الوزير، في ذلك الوقت، أنه - في حالة استمرار الجفاف - ستلجأ وزارته إلى تنفيذ بعض الإجراءات الاستثنائية، مثل اقتلاع بعض مساحات من حدائق الموالح، وغيرها من المزروعات النهمة للمياه، والتحديد الإجباري لاستخدامات المياه في الأغراض المدنية.
وجاء وقت على إسرائيل، اضطرتها ضغوط أزمة نقص الموارد المائية إلى تبني خطة طوارئ ضد الجفاف، اشتملت على مشروعات وسيناريوهات لاستيراد المياه من بعض الدول، مثل : تركيا، و ( يوغوسلافيــا )؛ وقدرت الكمية التي يمكن استيرادها بحوالي 300 مليون متر مكعب، سنوياً. كما بدأ الفنيون يطرحون حلولاً للتخفيف من حدة هذه الأزمة، منها الأخذ بترتيبات تهدف إلى إعادة تشغيل وحدات تحلية مياه البحر، وإنشاء وحدات تحلية جديدة، بالإضافة إلى رفع سعر المياه، لعل الضغط على السكان يؤدي إلى تقليل الاستهلاك.
وكان العامل الرئيس الذي تعتمد عليه الحكومة الإسرائيلية، في المفاضلة بين الخيارات الاستراتيجية المطروحة لتخطِّي أزمة نقص الموارد المائية، هو عنصر التكلفة. وفي هذا السبيل، تأكد لديها أن تنشيط أنظمة التحلية غير اقتصادي، بصفة عامة؛ وحتى إذا طُبِّــق بشكل محدود، ليقتصر على سد الاحتياجات المدنية وخدمة بعض الصناعات، فإن تكلفته ستكون عالية جداً، بحيث يصعب اعتماده كمصدر للمياه في هذه المجالات، اللهم إلاَّ إذا تكفَّلـت الأنشطة الزراعية بتجنيب جزء من مردوداتها لدعم خطط تحلية الميـــاه، وذلك خلال ربع القرن التالي... على أن يكون ذلك في مقابل أن تستأثر الزراعة بمصادر المياه الطبيعية الأخرى، وهي الأكثر صلاحية لأعمال الري. ولعله من المناسب أن نشير، في هذا المجال، إلى أقوال ترددت خلال ( ماراثونات ) المفاوضات العربية الإسرائيلية السابقة، بأن إسرائيل ترى أنه يجب ( تعويضهـا ) ، إذا انسحبت من الأراضي العربية، ببناء معامل تحلية لمياه البحر، بتكلفة قدرها 3 مليارات دولار !.
الجدير بالذكر، أنه بالرغم من تطور تكنولوجيا تصنيع أنظمة ووحدات تحلية الميــاه في إسرائيل، إلا أن استخدام هذه الأنظمة داخل إسرائيل لا يجرى إلا في نطاق ضيق للغاية، وبالتحديد، في ميناء إيلات؛ وتصــدِّر إسرائيل كل إنتاجها من هذه الصناعة إلى كثير من دول العالم.
ومن جهة أخرى، استجابت الحكومات الإسرائيلية المتتالية لنداءات الخبراء بالتوسع في تطبيق أحدث معطيات التكنولوجيا الحيــوية، والهندسة الوراثية، في مجال الزراعة، لعله يسهم في توفير كميات كبيرة من المياه التي تستهلك في الزراعة والري التقليديين. وكان لهذه الاستجابة مردودها الإيجابي، إذ ثبتت فعالية هذه التكنولوجيا في خفض احتياجات المزرعة العائلية الواحدة، من 50 ألف متر مكعب في السنة، إلى ستة آلاف فقط !. كما استجدت اتجاهات، يجري تطبيقها، لتطبيق هذه التكنولوجيا في الانتفاع بالمخزون الطبيعي من المياه الجوفية، ذات الملوحة العالية نسبياً، في زراعة صحـــراء النقـــب.
وامتد الجدل حول أسباب أزمة المياه في إسرائيل، ليشمل النظام الإداري في الحكومة الإسرائيلية، فرأى بعض الخبراء أن جانباً من هذه الأزمة يرجع إلى البيروقراطية الحكومية، والبطء في إجراءات مواجهة أسبابها وأعراضها؛ وقد تبين - على سبيل المثال - أن مهام وضع وتنفيذ السياسات المائية تتوزع بين خمس وزارات، هي : الطاقة، والزراعة، والمالية، والبيئة، والداخلية. وقد أظهرت الأزمة ضرورة تطوير الأطر الإدارية والقانونية، إلى الشكل الذي يساعد على إيجاد حلول معقولة وسريعة.
وكانت إسرائيل، حتى وقت قريب، تعاني درجات متفاوتة من التدني في أنظمة الصرف الصحي، صاحبت القصور في الموارد المائية.. فكان جانب كبير من المخلفات الصناعية ومياه الصرف الزراعي المحملة بالملوثات الكيميائية، يتم تصريفه دون معالجة.
نعـــــــود إلى الخبير الإســــرائيلي ( مناحـــــم بنيامـي )، الذي نقــــرأ معــه هذه الملامح من أزمــة الميـــاه داخــل إسرائيــل، من خـــلال دراسته المنشــــورة في مجلة ( World Water and Environmental Engneering ) ، لنجده يقرر بأن الوضع، حتى الآن، لا يمثل قضية خطيرة، وأن أحوال المياه الإسرائيلية يمكن أن تزداد سوءاً، إذا ارتفعت نسبة الملوحة في خزاني المياه الجوفية الطبيعيين في إسرائيل، وهو أمر يتوقعه الخبراء، ويصفونه بالواقع المحتمل. ولقد بدأت نسبة الملوحة تزداد - فعلاً - في المخزون الساحلي من المياه الجوفية - يقول بنيامي - بينما تتعرض المياه في الخزان الشرقي الصخري للتلوث، وذلك بتسرب الملوثات خلال شقوق وتصدعات حلَّـت ببعض الطبقات الصخرية التي تغطي ذلك الخزان.