




















  
|
 |
|
|
 |
|
المد الثقافى والعلمى لمكتبة الإسكندرية القديمة
وانعكاساتها على علماء العصر الحديث |
 |
|

|
إبراهيم عنانى
عضو اتحاد المؤرخين العرب |
أثرت مكتبة الإسكندرية بعلمائها واكتشافاتها ونظرياتها العلمية على العلماء فى الشرق والغرب، فأثاروا بكتبهم روح البحث والتساؤل عند كبلر وجاليليو ونيوتن وأينشتين بما قدموا من نظريات علمية لها أهميتها حتى العصر الحديث. فإنه بعد اختفاء مكتبة الإسكندرية لم ينهض العلم إلا على يد العلماء المسلمين مثل الخوارزمى فى الجبر وابن الهيثم فى البصريات، ومثل الترجمات الجيدة لبعض أعمال المكتبة مثل "الماجست" لبطليموس، ومثل ترجمات حنين بن اسحق لأعمال جالينوس.
وكانت فروض أرسطو مسيطرة على العقول إلى أن تصدى لأفكار أرسطو مجموعة من العلماء بنوا أفكارهم ونظرياتهم على مشاهداتهم الموثقة بفكر ونظريات علماء مكتبة الإسكندرية، وقامت على أكتافهم حركة العلم الحديث، ومن أبرز هؤلاء: كوبرنيكس وكبلر وجاليليو ونيوتن. وفيما يلى موجز لما قدمه هؤلاء العلماء.
كوبرنيكس (1473-1543)
ولد كوبرنيكس Nicolaus Copernicus فى بولندا عن أب من كبار التجار، وتعلم فى جامعة كراكاو Cracow ثم سافر إلى إيطاليا حيث درس الفلك، وقرأ فى هذه الفترة أعمال الفلكيين العظام من علماء مكتبة الإسكندرية. ورغم تعيينه كرجل دين فقد استمر فى دراساته ومشاهداته، ونشر خلال الفترة من 1497 إلى 1529 عديداً من البحاث عن الفلك، فلقد كان الفكر فى ذلك الوقت تسوده نظرية أرسطو عن الكون التى فصلها بطليموس بعد ذلك، والتى ذهب إلى أن الأرض مركز العالم تدور حولها الكواكب والنجوم فى أفلاك دائرية.
وانتهى كوبرنيكس إلى فساد فرض مركزية الأرض، وصحة فرض مركزية الشمس، ونشر أبحاثه فى كتاب عن "دورة الأجسام السماوية" فى عام 1543م.. كتب كوبرنيكس نظريته فى ستة فصول أثبت فيها أن الأرض كروية، وأنها تدور حول الشمس، وناقش بعض نظريات علم حساب المثلثات الكروى Spherical trigonometry ورسم "كتالوج" يوضح فيه أماكن الكواكب والنجوم المختلفة، وبذلك يكون قد صحح مفهوماً خاطئاً.
جوهانس كبلر (1571-1630م)
ولد كبلر فى ألمانيا، وتعلم فى مدارس الرهبان حتى حصل على درجة الماجستير فى العلوم الرياضية عام 1591م، وظل يعمل بتدريس الرياضيات مع اهتمام جانبى بعلوم الفلك، وكانت فى هذا الوقت مرتبطة بالتنجيم، حتى وصلته دعوة من العالم تيكو براهى Tvcho Brahe الذى يعمل فى بلاط حاكم براغ.
وفى براغ انتهى إلى عدم صحة القول بأن الأرض مركز الكون، وحطم أيضاً ما انتهى إليه فيثاغورث فى القرن السادس قبل الميلاد -وأيده أفلاطون وبطليموس- وقال الفلكيون قبل كبلر إن الكواكب تدور فى أفلاك دائرية، فقد كانت "الدائرة" تعتبر شكلاً هندسياً كاملاً ظاهراً، ولذا كانت الكواكب تدور فيها.
أثبت كبلر ثلاثة قوانين مازالت أساس غزو الإنسان للفضاء، وأساس حساب مواقع الكواكب فى مسارها، وكانت هذه القوانين مبنية على دراسات مكتبة الإسكندرية عن قطاعات المخروطات خصوصاً دراسات أبولونيوس 260-290ق.م.
كان القانون الأول المبنى أساساً على دراسة لمسار كوكب المريخ يوضح أن الكواكب ومنها الأرض تدور حول الشمس فى مدار بيضاوى وليس دائرياً، وأن الشمس لا توجد فى وسط هذا الشكل البيضاوى بل فى أحد جوانبه، ووضع كبلر قانوناً ثانياً يحسب بطريقة بسيطة سرعة الكواكب فى الأجزاء المختلفة من هذا الشكل البيضاوى، ووضع قانوناً ثالثاً يحدد العلاقة بين سرعة الكواكب المختلفة وبعدها عن الشمس.
كان كبلر بقوانينه الثلاثة هو أول من أخضع علم الفلك لعلم الطبيعة والرياضة، وافترض لتفسير قوانينه قوة قارنها بالمغناطيسية المعروفة فى تلك الأيام، فجاء نيوتن بعده وعرف هذه القوة بالجاذبية ووضع أول قوانينها، ومازالت قوانين كبلر حتى الان هى أساس حساب مواقع الأقمار الطبيعية والصناعية فى مساراتها.
كانت عبقرية كبلر تكمن فى أنه استخرج هذه القوانين من مشاهداته بالعين المجردة، فلم يخترع جاليليو التلسكوب إلا فى أواخر أيام كبلر. وكتب كبلر عشرات من الكتب ومئات من المقالات والأبحاث، بل وألف بعض الشعر، وكتب ما يمكن اعتباره أول عمل من أعمال الخيال العلمى إذ ألف رواية أسماها "الحلم" تصور فيها رحلة مجموعة من العلماء على سفينة بشراع تحركه رياح الفضاء، ووصف كيف يرى هؤلاء العلماء الأرض من سطح القمر، ووصف منظر الأهرام وسور الصين العظيم كما يراهم العلماء من القمر، وتوقع أن ليل القمر سيكون شديد البرودة لطوله، وأن نهار القمر سيكون شديد الحرارة، وهو ما ثبت صحته بعد ذلك.
وانتهت حياة هذا العالم العبقرى نهاية مأساوية، فبعد ثمانية أيام من اكتشافه للقانون الثالث اجتاحت أوروبا حرب الثلاثين عاما بين الكاثوليك والبروتستانت، تلك الحرب التى عصفت بالملايين، ففقد زوجته وابنه بالطاعون، واعتبرته الكنيسة كافراً، وقبض على والدته وسنها 74 عاماً وحوكمت باعتبارها ساحرة. ولقد اضطر كبلر فى آخر أيامه للوصول إلى الإفراج عن والدته وللحصول على ما يسد رمقه أن يعمل بالتنجيم والشعوذة للأمراء، وكتب بنفسه ما يود أن يكتب على قبره:"كان عقله يجوب السماوات.. والآن يستريح جسده على الأرض".
جاليليو (1564-1642م)
أضاف جاليليو Galileo Galiles الكثير إلى المعرفة البشرية، والتى تمثل أهم أسس العلم الحديث، فلقد توصل إلى صناعة تليسكوب متقدم تمكن من جمع الأدلة الدامغة على أن الأرض هى التى تدور حول الشمس وليس العكس. كما يعتبر جاليليو الأب الشرعى لعلوم الفيزياء والميكانيكا حيث حدد المبادئ التى بنى عليها نيوتن أهم قوانينه عن الجاذبية. ومن أهم الإضافات التى تحسب لجاليليو إعادة المنطق الرياضى إلى مكانته فى الريادة العلمية، وإصراره على أن "كتاب الطبيعة مكتوب بلغة رياضية" على عكس منطق أرسطو اللفظى.
كانت الأسس الرياضية التى تعلمها جاليليو عن إقليدس وأرشميدس وأرستاركوس هى اللبنات الأساسية التى وضع عليها نظرياته، وكانت أولى ملاحظاته عن حركة البندول وكيف أن سرعتها ثابتة، وكانت هذه الملحوظة أساساً لصناعة الساعات.. ثم نشر طريقة رياضية لحساب مركز الثقل فى الأجسام الصلبة مكنته من الحصول على وظيفة محاضر فى جامعة بيزا، ونشر كذلك قانوناً يحدد أسلوب سقوط الأشياء بالقطع المكافئ Parabolic fall، وقد صنع جاليليو لنفسه تلسكوباً بقوة تكبير مميز حوالى عام 1600م تمكن به من المشاهدة الأدق للأجرام السماوية، فوجد أن سطح القمر به العديد من الحفر والبروزات على عكس المفهوم فى ذلك الوقت، وتمكن بمشاهدته لبقع الشمس من إثبات صحة فرض كوبرنيكس عن دوران الأرض حول الشمس.. ولم يسعد زملاؤه فى الجامعات بما صنعه، ولم تسعد الكنيسة بمقولاته، ولعل أكثر ما أغضبها عليه هو مقولته عن أن كتاب الطبيعة مكتوب بمعادلات رياضية، ولعل هذا يذكرنا بعداء الغزالى للرياضيات. وهكذا وضع جاليليو تحت تصرف محاكم التفتيش التى أرغمته على الاعتراف الكاذب بخطأ مقولاته، ثم سجنته فى منزله لمدة ثمانى سنوات حتى وفاته، وقد اعترفت الكنيسة من بضع سنوات بما ارتكبته من أخطاء فى حق جاليليو.
اسحاق نيوتن (1642-1727م)
ولد اسحاق نيوتن عام 1642م، ومات أبوه قبل مولده، وتزوجت والدته من رجل من أثرياء القرية تمكن بثرائه من توفير تعليم جيد لنيوتن بعد انتهاء دراسته الأولى. التحق نيوتن 1661م بكلية ترينيتى بكامبردج وهى الكلية التى كانت تعد الشباب ليصبحوا من رجال الدين ومن موظفى الحكومة، كان من المفروض إذن -مثله مثل كوبرنيكس وكبلر وجاليليو- أن يعد نفسه ليصبح من رجال الدين، ولكن نيوتن تحول إلى علوم الرياضة والفيزياء والكيمياء، وكان مما أثار حب العلم والرغبة فى المعرفة عند نيوتن قراءته فى وقت مبكر من حياته لكتاب "الأوليات" لإقليدس، ولرياضيات أرشميدس وأريستاركوس. وعلى عكس كبلر فقد نال نيوتن العديد من مظاهر التكريم والتشريف من الدولة، فانتخب فى البرلمان عن دائرة كامبردج، ونال لقب سير، وعين مديراً لدار سك النقود، ولما مات دفن فى مقابر العظماء فى وستمنستر.
كان نيوتن باحثاً فريداً، وكان يقيم معظم حياته وحيداً فى غرفته بكلية ترينيتى، قدم العديد من الدراسات فى كافة ميادين العلم، قدم دراسات فى الضوء والبصريات، واخترع تلسكوباً عاكساً Reflecting telescope وأثبت أن الضوء الأبيض يتكون من خليط من ألوان الطيف، قدم أيضاً دراسات مهمة فى الرياضة أهمها عن التفاضل والتكامل، وحسب بدقة متناهية مسار الكواكب فى مجاراتها مضيفاً بذلك إلى حسابات كبلر الى وضعت أساس علم الفلك الحديث.
وإلى جانب كتاباته للجمعية الملكية التى تعد أول نماذج لأوراق البحث العلمى الصحيح، كتب نيوتن كتابه الشهير الذى أدخله فى تاريخ العلوم من أوسع الأبواب وهو "مبادئ الرياضيات Principia Mathematica". ولكن أعظم أعمال نيوتن دراساته فى الميكانيكا وعن الجاذبية، وخالف نظريات أرسطو العلمية التى سيطرت لقرون عديدة على عقل البشرية، والتى تبنته الكنيسة فكانت سجناً للفكر الحر والعلم الحقيقى، والتى دق المسامير الأولى فى نعشها كوبرنيكس وكبلر وجاليليو بدراساتهم التى أطلقت حرية العلم من سيطرة أفكار أرسطو، فلقد كانت أهم آراء أرسطو أن الأرض هى مركز الكون، وقد حطم كوبرنيكس هذا الفرض، وأن الكواكب تدور فى مدارات كاملة الاستدارة، وقد حطم هذا الرأى كبلر وجاليليو، وكان ارسطو يعتقد أن الأشياء ثابتة بطبيعتها وأنها لا تتحرك إلا للعودة إلى مكانها الطبيعى، فالحجر مكانه الطبيعى هو الأرض ولذا يسقط على الأرض، وتتناسب فى زعمه الخاطئ سرعته مع وزنه، والنار والبخار مكانهما الطبيعى فى السماء ولذا يرتفع الدخان للسماء، وحطم نيوتن كل هذا ووضع بنظريته عن الجاذبية الأساس لآلاف من النظريات العلمية من حركة المد والجزر، إلى حركة الكواكب، إلى علوم الفضاء فى عصرنا الحالى، إلى علوم الذرة، وكانت أهم إضافاته فى هذا المجال هو أن كل الأشياء من الممكن دراستها رياضياً.
وهكذا استمرت إشعاعات مكتبة الإسكندرية حتى بعد زوالها، وأفرزت العلماء الذين تأثروا بعلماء الإسكندرية القديمة.
|
|
|
|